Tap any word for a breakdown, translation and native audio.
بعد التاسعة صباحا بقليل، هبط اللورد سترانلي الشاب من ويتشوود الدرج الأمامي لمنزله في البلدة إلى الشارع دونما أي استعجال. كاد مظهر الشاب أن يكون مثاليا أكثر من اللازم. فقد كانت كل قطعة من زيه، بدءا من قبعته اللامعة حتى حذائه الملمع، كما يجب أن تكون عليه بالضبط، لدرجة أن الناظر إليه كان سيظنه واحدا من هؤلاء الأشخاص المتأنقين الذين يظهرون في الرسومات الجميلة التي تزين متاجر خياطي شارع بوند. وكان واضحا أنه ممن لا ينجزون أي عمل مفيد للعالم، وكما قد يقول الشخص العملي: لم يجب على أي شخص دخله أكثر من ٣٠ ألف جنيه في السنة أن يفعل أي شيء؟ كان الملل البادي على وجهه، وتدلي جفنيه، ومشيته المسترخية غير المبالية التي ميزته، تعلن جميعا لأي شخص يتمتع بدقة الملاحظة أن هذا الشاب قد جرب كل الأشياء، ووجد أنه لا يوجد شيء يستحق التحمس من أجله. فمن الواضح أنه كان شخصا بلا حماس، فحتى مظهره المثالي الرائع قد يعزى إلى اهتمام خياطه وحرصه، وليس إلى بذل أي مجهود من جانبه في التفكير بشأن هذا الأمر. وبالفعل، فإن هيئته الكسولة جعلت الكلمتين «نشيط» أو «حيوي» تبدوان غير ضروريتين في لغتنا. وقد وجد أصدقاؤه أنه من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، أن يثيروا اهتمام اللورد سترانلي بأي شيء حتى في سباق الخيل أو لعب القمار؛ لأنه كان يمتلك أموالا أكثر بكثير مما يحتاج إليه، لدرجة أن الربح أو الخسارة لم يثيرا في نفسه أي إحساس. وإذا كان يتمتع بالذكاء، كما كان بعض أصدقائه المقربين يقولون مازحين، فإنه لم يقدم حتى الآن أي دليل على ذلك. وعلى الرغم من تمتعه بصحة جيدة، فلم يكن رياضيا. كان يطلق النار قليلا، ويصطاد فيما ندر، ويجيء إلى البلدة خلال موسم الفعاليات الاجتماعية، ويسافر إلى أوروبا خلال الهجرة القارية، وكان يفعل الأشياء التقليدية دائما، لكنه لم يكن يفعلها على نحو جيد أو سيئ بما يكفي لإثارة التعليقات حوله. لقد كان التجسيد البشري لوجهة النظر: «لا يوجد شيء يستحق العناء حقا.»
وعلى نقيضه، وقف رجل في مثل عمره مترددا واضعا قدما واحدة على الدرجة الحجرية السفلية من الدرج المؤدي إلى الباب الأمامي لمنزل اللورد في البلدة. لم يكن لملابسه تصميم مميز، وبدت من فرط لا مبالاته بها جاهزة الصنع. ودلت القبعة السوداء التي ألقاها على رأسه كما اتفق على الغرب الأمريكي أو جنوب قارة أفريقيا. وكان حذاؤه غير متقن الصنع وغير ملمع.
وعلى عكس ملابسه غير اللافتة، كان وجهه مميزا لدرجة لا يسع الناظر إليه معها إلا أن يلقي عليه نظرة ثانية؛ فقد كان حليق الذقن، ضخما وقويا، صبغته شمس إنجلترا بدرجة خفيفة من البني الضارب إلى الحمرة، وكانت عيناه عميقتين، ثاقبتين، حازمتين، بارعتين.
يعلو الشفة العليا الرفيعة للورد سترانلي شارب ناعم يحظى بعناية فائقة؛ وكانت عيناه ضعيفتين ومتعبتين، لا يلتمع فيهما الشرر المتقد الذي ترامى عليه بحدة من عيني محدثه.
قال الرجل: «أستميحك عذرا، سيدي، ولكن هل أنت اللورد سترانلي من ويتشوود؟»
توقف اللورد أعلى الدرج، ورد بتكاسل بكلمة واحدة: «نعم.»
«اسمي بيتر ماكيلر، وقد أعطاني صاحب المقام الرفيع جون هازل رسالة تعريف لك، قائلا إنه من المحتمل أن أجدك هذه الساعة. ويبدو أنه استخف بنشاطك؛ لأنك بالخارج بالفعل.»
كان في اللهجة المتبرمة التي استخدمها ماكيلر بعض الاستياء، فمن الواضح أن هذا الممثل الحديث لعائلة ضاربة في القدم لم يرقه، لكن الهدف الذي كان يضعه نصب عينيه جعله يكتم استياءه، ولو لم تسعفه اللباقة بما يكفي لإخفاء آثار ذلك الاستياء من كلماته. لو فطن اللورد لهذا الاستياء، فإنه لا يفشي معرفته به في كلماته أو تعبيراته؛ فقد كان مدربا على نحو مثالي أكثر من اللازم. وساعده على ذلك عدم اكتراثه البتة برأي مخالطيه. اكتفى اللورد بابتسامة خفيفة حركت شاربه الناعم.
«جاك دائما ما يستخف بصفاتي الحميدة، لذلك لن نشغل بالنا بشأن رسالته التعريفية. علاوة على ذلك، لا يستطيع المرء قراءة رسالة في الشارع، أليس كذلك؟»
أجاب الآخر بحدة: «لا أرى أي سبب يعارض ذلك.»
«حقا لا ترى سببا؟ حسنا، سأذهب إلى النادي، وربما ستتفضل، أثناء سيرنا معا، بذكر سبب رغبتك في مقابلتي.»
كان اللورد سترانلي على وشك هبوط درجة أخرى عندما رد عليه الآخر بفظاظة: «لا»، لدرجة أن اللورد توقف مرة أخرى، رافعا حاجبيه دون أن يشعر؛ لأن الناس بوجه عام لا يسمعون اللورد سترانلي كلمة «لا»، وهو لورد ويتشوود الذي يكسب ٣٠ ألف جنيه في السنة.
سأل اللورد: «ماذا تقترح إذن؟» كما لو أن اقتراحه قد استنفد كل احتمالات الفعل.
رد ماكيلر: «أقترح أن تفتح الباب، وتدعوني للدخول، وتعطيني ١٠ دقائق من وقتك الثمين.»
زاد اتساع الابتسامة على وجه اللورد.
وقال، بطريقة من يستمع إلى فكرة مبتكرة غير متوقعة: «هذه ليست فكرة سيئة.» ثم قال بعدها مباشرة: «تفضل بالدخول سيد ماكيلر» وفتح الباب بمفتاحه، مشيرا للآخر بأدب للدخول قبله.
دعي ماكيلر الشاب إلى غرفة صغيرة على يسار القاعة. كانت بسيطة جدا، ومكسوة بألواح من خشب البلوط القديم على نحو موحش، يدخلها الضوء من نافذة واحدة، ومزودة بعدة مقاعد جلدية ثقيلة. في المنتصف كانت توجد طاولة صغيرة، تحمل زجاجة حبر ضخمة بدت كما لو كانت كتلة كبيرة من المعدن الأسود ألقيت وهي لم تزل لدنة على سطح الطاولة، والآن، بعد أن تصلبت، افترشت مساحة كبيرة من الطاولة كأنها جزء منها. كانت عدة أقلام ملقاة على مفرش، وفي أحد طرفي الطاولة كان يوجد حامل مثل ذلك الخاص بالأوراق والأظرف، ولكنه كان صغير الحجم جدا، ويتكون من ثلاثة مستويات، واحدا فوق الآخر، يحوي ما يبدو أنه مجموعة من بطاقات تعريف؛ ١٢ حزمة صغيرة متراصة، أربع في كل مستوى.
قال اللورد سترانلي بطريقة لطيفة إلى حد ما: «هذه غرفة مكتب أعمالي.»
نظر الزائر حوله. لم تكن هناك مكاتب، ولا أدراج، ولا الصناديق المعدنية المطلية باللون الأسود حيث تحفظ المستندات، ولا خزانات، ولا كتب، ولا صور.
«تفضل بالجلوس، سيد ماكيلر»، وعندما قبل الشاب الدعوة، وقف اللورد سترانلي أمامه عند الطاولة الصغيرة وحزم البطاقات بالقرب من يده اليمنى.
«والآن، هلا تتفضل بإعطائي رسالة جاك لألقي نظرة عليها، على الرغم من أنه نادرا ما يكتب أي شيء يستحق القراءة.»
سلمه ماكيلر الرسالة في ظرف مفتوح. سحب اللورد الوثيقة ببطء، وضبط نظارته، وقرأ؛ ثم أعاد الرسالة إلى الظرف، وأعاد الظرف إلى صاحبه.
«هل سأثقل عليك إن طلبت منك إعادته إلى جيبك، فلا توجد سلة للنفايات الورقية في هذه الغرفة؟»
فعل ماكيلر ما طلب منه، ولكن العبوس الذي علا جبينه العريض اشتد. بدا أن هذا الرجل العابث وكأنه يزعجه بأسلوبه الهادئ، وطريقته الطفولية المستخفة. شعر ماكيلر أنه قد ينجح إذا كان في مواجهة رجل حقيقي، لكن بدا بالفعل يخشى أنه لن يستطيع استيعاب هذا القدر من الاستخفاف؛ لذا بدلا من الاستمرار في حديثه، جلس يحدق في اللورد سترانلي، الذي تبين أنه أشد تفاهة مما صور له صاحب المقام الرفيع جون هازل. لقد كان مستعدا لمواجهة قدر ما من التفاهة وانعدام المسئولية، لكن ليس هذا القدر. كسر اللورد سترانلي حاجز الصمت.
سأل اللورد كما لو أن بعض فظاظة خصمه قد تسربت إلى كيانه: «ماذا تريد؟»
رد الآخر على الفور: «المال.»
تنهد اللورد مجسدا لأقصى درجات اللامبالاة: «الجميع يريدونه».
اختار أربع بطاقات من الحامل الذي كان بجانبه، واحدة من كل حزمة صغيرة في المستوى السفلي. ووضعها على الطاولة أمامه ووجهها إلى أعلى.
وقال اللورد مبتسما: «أنا لا أكترث بشأن المال.»
اقترح ماكيلر: «ربما لا تحتاج للاكتراث بشأنه وأنت من يجني ٣٠ ألفا في السنة.»