Tap any word for a breakdown, translation and native audio.
انتصفت الشمس في السماء ودقت الساعات مؤذنة بحلول الظهر، فقرع جرس السجن يبشر بوقت الراحة المباحة للأشقياء المحكوم عليهم بالأشغال الشاقة، وكان التعب الشديد قد أضنك أجسامهم فجعلوا يتراكضون إلى حيث يوجد الظل؛ لأن شمس يونيو كانت تبسط على طولون شعاعا محرقا، فالتجأ بعضهم إلى ظل مركب قديم العهد قد لعبت به يد التلف ولم يبق منه غير الوسط الأسفل، وجلس البعض تحت ظلال الأخشاب التي تعد لبناء المراكب، وتوسد آخرون الرمال متعرضين لحرارة الشمس المؤثرة بإزاء دار الأسلحة، وجعل آخرون يتنزهون كل اثنين معا، فيتمشون ذهابا وإيابا يشملهم الهدوء، وتصوب عليهم الشمس شعاعا لم يكترثوا له وإن كان محرقا.
ومن عادة المسجونين أن يسمى كل منهم بنمرة خاصة، وكان الشقي الذي نمرته ١١٧ جالسا مع آخر على انفراد، فخطر لرفيقه هذا أن يتركه ويأتي إلى الجماعة القائمين في ظل المركب القديم ليسمع القصة التي يتحدثون بها، فنظر إلى المائة وسبعة عشر فرأى عينيه تكادان تغمضان من شدة نعاسه، فقال له: إذا كنت تريد النوم فأنا أريد الذهاب إلى ظل المركب لأسمع الأخبار التي يروونها فهلم نذهب معا، وإذا كنت تريد البقاء هنا لتمتع عينيك بلذة الرقاد فأنا أدعك تنام على شرط أننا نلعب بالورق قبل افتراقنا، فإذا غلبتني فنم مطمئنا، وإلا فتذهب معي لنجلس مع رفاقنا في ظل المركب، ونسمع قصة الكوكوديس كما يدعوه الرفقاء.
فاستعد الاثنان للعب وأخذ ١١٧ من قبعته ورقا للعب كان يضعه فيها على رأسه، فلعبا المرة الأولى وكان هو الرابح، ولعبا دورا ثانيا فربح ١١٧ أيضا وكان بارعا باللعب وله فيه تفنن وحيل كثيرة.
وكان الشقي الآخر في أول الدور يلوح له أنه سيكون ظافرا فلا يلبث ١١٧ أن يقدح زناد الحيلة ويكون هو الظافر.
وبعد أن لعبا دورا ثالثا فرابعا وكان الربح في جميعها ﻟﻠ ١١٧، نظر إلى رفيقه قائلا: وماذا تريد بعد ذلك؟
فكادت عين هذا الشقي تقدح شرارا وقد تجهم وجهه الوحشي، وابتسم ابتسامة استهزاء وقال لرفيقه ١١٧: لا بأس فلنعلب أيضا.
فلعبا دورا جديدا فكان فيه خاسرا كعادته في الخسارة، فغضب عندئذ وقال: لم أعد أريد سماع قصة الكوكوديس فأنا أبقى هنا.
فترك ١١٧ الورق وتوسد الأرض واستغرق في النوم. أما هذا الشقي الذي كان الخاسر فيدعى ميلون، وهو بعد أن نام الشقي الرابح الذي لم يكن يدعوه الرفقاء إلا باسم ١١٧، جلس حائرا يرسل أبصاره إلى الجماعة الذين تحت ظل المركب وهم جالسون في خيمة تظلهم من الشمس، ولا تزال نفسه تناجيه بالذهاب إليهم، إنما أبى ذلك بعد خسارته كما أظهر لرفيقه النائم، فجعل يلاعب نفسه بالورق الذي لديه ويجري التجارب وضروب التفنن بغاية البراعة فيها.
أما الجماعة الذين كانوا جالسين في ظل المركب فكانوا يقولون فيما بينهم: أين الكو كوديس فإنا لم نره اليوم؟
فقال أحدهم: إنه لا يحضر اليوم إلينا. وماذا ترجون من حضوره؟ وأنتم تعلمون أن كل صاحب مال لا يهمه السجن كما يهمنا نحن الفقراء، فإنه كل يوم يتعلل بعلة كاذبة ويدعونه من أجل أمواله يذهب إلى المستشفى حيث يستريح من عناء السجن ويقيم متنعما وإن كانت علته كاذبة. وهكذا انطبع الناس على الظلم وقلة الإنصاف، فالفقير مظلوم حيثما كان والغني متنعم ولو كان في السجن، ولا يوجد على الأرض إنصاف حتى داخل السجون. وهكذا الكوكوديس فإن أباه مثر عظيم وهو صاحب بنك. وفي كل شهر يرسل له مائة فرنك، وقد أطلق له ناظر المستشفى الحرية فهو يذهب إلى المدينة متى شاء ويعود منها متى شاء.
فقال آخر من هؤلاء الجماعة: نعم. وقد عرفت أن امرأة جميلة من نساء باريس كانت تأتي عمدا إلى فندق فرنسا كي تلتقي به فيه. غير أن هذه الأخبار لا تهمني مطلقا، ولا يهمني غير أخبار أرى في نفسي ارتياحا شديدا إليها.
فقالوا: وما هي هذه الأخبار التي تريدها؟
فقالوا: إن هذه الأخبار لا يعرفها أحد منا ونحن كلنا نريد معرفتها ولا نعلم واسطة إلى ذلك، فإذا كنت تستطيع أن تعرفها فتكون أكثر منا دهاء وأطول باعا في استطلاع الأمور الخفية.
وكان قد أتى إليهم شقي جديد فقال لهم: وكم من السنين لوجود ١١٧ في هذا السجن؟
فقالوا: لا نعرف، فهو لا يخبر من أين أتى وما هي قصته.
فقال رجل آخر: إنه رجل عظيم أوقعه الدهر في حبائل الشقاء وهو منذ دخل هذا الليمان اتخذ ميلون رفيقا له فلا يكلم غيره.
ولم يلبث هؤلاء الجماعة أن رفعوا أبصارهم وإذا برجل مقبل عليهم وهو يدخن سيكارة رغما عن مشي القوانين، ويمشي مشية المتنزه المطمئن فتأملون فإذا به الكوكوديس فبادءوه بالتحية، فردها بصوت يدل على السرور والاطمئنان، فسأله أحدهم قائلا: يقولون إنك كنت مريضا فدخلت المستشفى من أجل ذلك.
– نعم إنني مريض، وقد دخلت المستشفى في صباح هذا اليوم.
فقال المجرم: ولكن يقولون أيضا إن الطبيب لم يجد بك علة.
– كلا فذلك غير صادق فإن الطبيب من أصدقائي وقد أمر لي بالراحة والتنزه في الصباح شفاء لعلتي.
ثم قال متهكما: ولنفرض أن مرضي خداع وحيلة لأستريح من عمل الليمان فلم يبق لي فيه غير أربع سنوات أجتهد بأن أقصر أيام بلائها بالحيلة والخداع بادعاء الأمراض.
فقال أحدهم: هنيئا لك فإن مدتك قد قصرت وأنت مستريح كأنك لست في ليمان فليت حظي كحظك.
فقال الكوكوديس: ولماذا لا تدبر واسطة يمكنك من الفرار فتنجو من عذابك الطويل؟
– وكيف أنجو وأنا قد فررت من هذا الليمان خمس مرات وكنت في كل مرة أضبط وأرجع إليه، وليس ذلك إلا من قلة دهائي فلا أجد واسطة تمكنني من الاختفاء عن الحكومة، ولكن الفقر هو بلائي الوحيد فلست ابن غني لأتزيا بأزياء كثيرة تخفيني عن الحكومة ولم أضبط في المرة الأخيرة إلا بسبب سرقة رغيف من الخبز مدت الحاجة إليه يدي فضبطت وعرفت وأرجعت إلى هذا الليمان.
فقال الكوكوديس: وما هي المهنة التي كنت تتعاطاها، قبل دخول الليمان؟
– إذن أبشرك بالخير، فعندما تمضي الأربع سنوات أخرج من هذا السجن وأنت تخرج منه فرارا، فأجعلك عندي سائقا فلا يعرفك أحد من رجال الحكومة.