Tap any word for a breakdown, translation and native audio.
ثمة أمران غريبان استرعيا انتباهي بشأن مصلى البروتستانت الصغير المبني من القرميد، والكائن فوق التل في نيوآجين؛ أولهما أنه كان في الماضي مثبتا في الأرض مثل بعض المباني التي شيدت على قمم الجبال. كان الناظر يرى مسامير حديدية ذات عرى، مثبتة في الحواف الناتئة على كل جانب من جوانب المصلى، وكان أحدها ما زال متصلا بسلسلة صدئة. لم يكن ذلك التل شاهقا، وكان هناك ممر منحدر يؤدي إلى المرفأ حيث يمكنك أن ترى بوضوح الألواح التي تغطي أسطح المنازل المربعة العتيقة الطراز. وعلى الناحية الأخرى من التل، كان يقع مرج موحل، تناثرت فيه أكوام من حشائش المستنقعات الملحية مغطاة بقطعة قديمة من قماش القنب. وكانت مقدمة الكنيسة تواجه الرياح التي تهب في أرجاء الجزر آتية من المحيط.
أما الأمر الغريب الآخر فكان دوارة الرياح أعلى برج الكنيسة القصير العريض. كانت دوارة الرياح تتخذ شكل سمكة قد مذهبة ضخمة، وبدا جليا أنها حساسة جدا للعوامل الجوية؛ فقد كان أنفها يهتز باضطراب بين اتجاهي جنوب الجنوب الشرقي وشرق الجنوب الشرقي.
ردد رفيقي القبطان الشماس سايلس بيبر: «لماذا ربط المصلى بالصخور؟ حسنا، سأخبرك. ذلك لأن الرعية رأت أن هذا التل هنا موقع أنسب لإقامة دار عبادة به، مقارنة بالمستنقع الملحي الواقع هناك.»
توقف الشماس والقبطان سايلس ليلقي حجرا على غنم رذيل كان يبحث عن طعام بين شواهد القبور.
ثم استأنف قائلا: «لماذا نضع سمكة قد بدلا من الديك كدوارة للرياح؟ سأخبرك. لأن الديك هو طائر الشيطان.»
ثم انحنى ليلتقط حجرا آخر بينما كان الغنم الهائج يحاذيه خلسة مراقبا حركاته بعيون يقظة، قبل أن يعبر الجدار الحجري بقفزة ويختفي وراء حافة التل.
علق القبطان الشماس قائلا: «تبا لهذا المخلوق!»
إن الجيل الذي يحفظ الأساطير غير المدونة لساحل مين يخطو خطوات سريعة نحو الموت؛ فالرجال والنساء الذين كانوا شبابا في العصر الذهبي لبلدات مرفأ البحر صاروا شيوخا الآن. في ذلك العصر، كانت كل من بورتلاند وباث وويسكاسيت والأماكن الممتدة شرقا، بل وحتى المستوطنات الصغيرة المحشورة بين الصخور والأمواج؛ تتمتع بازدهار قوي قائم على روح المغامرة والبصيرة التجارية الثاقبة في الأمور المتعلقة بدبس السكر الوارد من ماتانزاس وشراب الروم القادم من جاميكا. كان ولا يزال هناك طريق مستقيم يجري في المحيط بين بلدات مين ومرافئ جزر الهند الغربية. في ذلك الزمان، كان التواصل المباشر مع أطراف أجنبية يجلب تناقضات حادة ومتزايدة إلى الحياة اليومية لسكان الساحل. كذلك، كان الاتجاه التقليدي السائد في العقيدة الدينية حينذاك لا يزال يفسح مجالا لنوع عجيب من الإيمان بالقوى الخارقة تشوبه الغرابة في بعض النواحي، وكان يعنى في المقام الأول بالأعمال الخبيثة التي يقوم بها عدو البشرية.
يبدو من رواية القبطان سايلس أنه منذ نحو خمسين عاما، كان الكاهن بورينجتون هو الحصن الرئيسي للمؤمنين ضد هجمات الشيطان على نيوآجين. كان الكاهن شديد المراس في كل من أمور التضرع والوعظ. وكان ثمة اعتقاد سائد في الميناء، وعلى بعد أميال بامتداد الساحل في كلا الاتجاهين، بأن ليس هناك شيء يثير قلق الشيطان بقدر خطب الكاهن بورينجتون التي تستغرق ساعتين، ليفضح فيها طبيعته بلا شفقة، ويكشف أكثر خططه السرية خفاء، ويتحدى أسوأ مساعيه.
كان شعور الرعية بالنصر والفخر ببسالة بطلهم من بين الأسباب التي دفعتهم إلى بناء صرح كنسي راسخ في موقع بارز على قمة التل، ومزود ببرج وناقوس يتردد صداه على مسافة بعيدة في البحر ليبلغ جزيرة راجيد تيل، حين تكون الرياح مواتية. وقد اختار الكاهن الموقع بنفسه، وراقب بلهفة ما يحرزه العمال من تقدم، وكان قلبه معلقا بكل قطعة قرميد تضاف إلى الجدران.
وفي الساعة الحادية عشرة والنصف من ليلة سبت مقمرة، وبعد وضع لمسة الطلاء الأخيرة على دوارة الرياح الفاخرة التي كانت تتخذ شكل ديك — تبرع به صديق مجهول — ارتقى الكاهن بورينجتون التل ليمتع ناظريه بالنظر إلى البناء المكتمل. ولك أن تتخيل الدهشة التي اكتشف بها الرجل الطيب أنه لا يوجد مصلى هناك! فلم يجد دوارة الرياح، ولا برج الكنيسة، ولا برج الناقوس، ولا جدران القرميد، ولا رواقا معمدا خشبيا، ولا حتى أدنى أثر للأساس أو القبو!
ضرب الكاهن الأرض بقدميه ليتأكد أنه مستيقظ. وتساءل إن كانت أقداح الروم الساخن الثلاثة التي حصنته بها ابنته سوزانا ضد برد الليل قد عبثت برأسه. فرك الكاهن عينيه وأنعم النظر في القمر، لكن لم يكن في الوجه المستدير لذلك الجرم السماوي شيء غير مألوف. حدق في القرية الواقعة أسفل التل؛ كانت المنازل المعروفة، التي هجعت فيها رعيته، واضحة للعيان في ضوء القمر. رأى الكاهن المحيط والجزر والمرفأ والمراكب الشراعية عند أرصفة الميناء، حتى إنه رأى بيليج تروت وهو يسير وحيدا مترنحا في طريق العودة من الحانة إلى منزله، كأنه يقاوم ريحا معاكسة. حاول الكاهن أن يستصرخ بيليج تروت لكنه وجد أنه لا يقوى على هذا الجهد. كل شيء في الحي كان على حاله، باستثناء أن المصلى الجديد كان قد اختفى.
أذهلت تلك الواقعة المروعة الكاهن؛ فهام على وجهه بلا هدف في أرجاء قمة التل لمدة نصف ساعة كاملة. ثم أدرك أنه ليس بمفرده؛ فقد كان هناك شخص طويل القامة، ملتفع بمعطف أسود، جالس على الجدار الحجري. بدا ذلك الغريب إسبانيا أو برتغاليا. وكان مستندا بمرفقيه على ركبتيه، وواضعا ذقنه في كفيه بينما كان يراقب حركات الكاهن باهتمام واضح.
قال الغريب: «هل تسمح لي أن أسألك إن كنت تبحث عن شيء؟»
أجابه الكاهن قائلا: «إنني في غاية الحيرة يا سيدي؛ لقد جئت هنا متوقعا أن أرى الصرح المقدس الذي يفترض أن ألقي فيه عظتي غدا صباحا للمرة الأولى من نص في الإصحاح الثالث عشر من سفر الرؤيا. لقد رأيته للمرة الأخيرة ظهيرة هذا اليوم؛ إذ كان يشغل المكان الذي نحن واقفون فيه بالضبط.»
قال الغريب بلا مبالاة: «آه، مصلى مفقود! معذرة، أليس من المعهود في هذا الجزء من العالم أن يبعث منادي البلدة حاملا ناقوسه حين يضل المرء الطريق أو يسرق؟»
كان ثمة شيء ما في نبرة صوته جعلت الكاهن يتفحصه بانتباه أكثر من ذي قبل. صمد الغريب الطويل القامة أمام نظرات التفحص بأعلى قدر من رباطة الجأش، وهو يبرم شاربه الأسود الكبير. كانت عيناه لامعتين لا تزيغان، وبدا أن لمعتهما زادت حين حدق فيهما الكاهن.
أخيرا قال الغريب: «حسنا، أظن أنك عرفت من أنا الآن.»
رد الكاهن قائلا: «أعتقد أنني عرفت من أنت الآن، بيد أنني لا أخشاك. إن لم أكن مخطئا إلى حد كبير، فأنت الذي دمرت مصلانا.»
وهنا ابتسم الآخر وهز كتفيه. ثم قال: «بما أنك تلح علي بشأن هذا الأمر فيجب أن أعترف أنني سمحت لنفسي بالتصرف في ممتلكاتك. أدمرتها؟ أوه، كلا؛ كل ما هنالك أنني أبعدتها عن أرضي. في الحقيقة هذا التل موقع تخييم قديم خاص بي، ولا أحتمل أن أراه مشغولا بمصلاك الوضيع المبني من القرميد. ستجد البناء كاملا، حتى آخر وسادة مقعد وكتاب ترانيم بالأسفل هناك في المرج؛ وإن كنت تتمتع بذوق سليم فستتفق معي أن الموقع الجديد أفضل كثيرا.»
أرسل الكاهن بصره وراء حافة التل. أجل، كان المصلى الجديد قائما وسط المستنقع.
قال الكاهن بحزم: «لا أعلم ما الخدعة الشيطانية التي فعلت بها ذلك، لكنني أعلم أن التل ليس ملكا خاصا لك؛ فقد نقل ملكيته لنا أليجا تروفانت، الذي كان أبوه وجده يرعيان الغنم هنا.»
فرد عليه الآخر بهدوء قائلا: «يا صديقي الورع، حين كان آدم طفلا، كانت أسرتي تمتلك هذا التل منذ آلاف السنين. هل لديك رغبة في الاطلاع على صك الملكية الأصلي؟»
ثم أخرج من تحت عباءته رقا ملفوفا وسلمه للكاهن. فتح الكاهن الوثيقة وحاول قراءتها. كانت الصفحة مغطاة بحروف غريبة، مضيئة ضوءا خافتا. ثم توهجت كالنار، وحين ارتعشت يد الكاهن — حيث إنه اعترف فيما بعد أنها ارتعشت حقا — رقصت الحروف فوق الرق حتى احترق سطحه أينما لامسته. في النهاية أزاح الكاهن بورينجتون بيده بعض الطلاسم المشتعلة في هامش الصفحة، فالتفت الحافة وتجعدت، وتصاعد خيط رفيع من الدخان، وسرعان ما اشتعلت الوثيقة بأكملها.
قال الغريب: «كان هذا تصرفا أخرق من جانبك، لكن لا بأس؛ لحسن الحظ، لدي نسخة من صك الملكية.»
ثم أشاح بيده. هنا ظهرت الحروف الملتهبة نفسها، وقد زاد حجمها بشدة، وتراقصت في أنحاء الأرض التي كان المصلى قائما فيها. انتابت الكاهن الحيرة وهو يحاول فك شفرة النقوش غير المقدسة بلا جدوى. ها هو صك الملكية وقد احترق أعلى التل. أمسكت النيران في الحشائش الجافة، وطقطقت أغصان وسيقان شجيرة التوت الأزرق في اللهيب، وللحظة أحاط الدخان وألسنة النيران بالرجل الغريب الطويل القامة ليلقيا على ملامحه البغيضة ضوءا متوهجا. ضرب على الأرض بقدميه فخمد الحريق المفتعل في الحال.
«ها قد تأكدت من صحة ملكيتي. مع ذلك، فأنا لست مالك أراض متعنتا. أنت ترغب في هذا الموقع. هب أنك تريد أن تشغله بصفتك مستأجرا حسبما ترغب. كإجراء قانوني بسيط، سيكون من الضروري أن توقع على هذه الورقة …»
صاح الكاهن وقد ثارت ثائرته وقال: «لا يا سيدي، لن أبرم أي اتفاق. سواء كنت إبليس شخصيا أم مجرد أحد أتباعه من الشياطين، فادعاؤك كذب، وصك ملكيتك المشتعل مزور، وسوف أتصدى لك ولكل أعمالك خلال الموعظة التي سألقيها غدا صباحا في المصلى المبني من القرميد، لا يهم إن كان فوق التل أو في المستنقع، ولا يهم حتى إن كنت أخفيته في أعماق حفرة بلا قرار!»
ابتسم الغريب ابتسامة تثير الحنق وقال: «سوف أتشرف بالاستماع إلى خطبتك.»
حين بلغ الكاهن المنزل، كانت ابنته سوزانا قد سمعت بالقصة، فأعطته قدحا آخر من شراب الروم الساخن، وهيأت له الفراش ليستريح، ثم أرسلت خادم المنزل إلى الناحية الأخرى من القرية بتوجيهات لإيقاظ بيليشيا جاكسون، نائب قبطان السفينة الشراعية التي كانت تحمل اسم سيستر سال.