Tap any word for a breakdown, translation and native audio.
ذكر سلفنا الصالح — رضي الله عنهم — أن جزيرة من جزائر الهند التي تحت خط الاستواء، وهي الجزيرة التي يتولد بها الإنسان من غير أم ولا أب وبها شجر يثمر نساء، وهي التي ذكر المسعودي أنها جزيرة الوقواق؛ لأن تلك الجزيرة أعدل بقاع الأرض هواء، وأتممها لشروق النور الأعلى عليها استعدادا، وإن كان ذلك خلاف ما يراه جمهور الفلاسفة وكبار الأطباء؛ فإنهم يرون أن أعدل ما في المعمورة الإقليم الرابع. فإن كانوا قالوا ذلك لأنه صح عندهم أنه ليس على خط الاستواء عمارة لمانع من الموانع الأرضية، فلقولهم إن الإقليم الرابع أعدل بقاع الأرض وجه، وإن كانوا إنما أرادوا بذلك أن ما على خط الاستواء شديد الحرارة، كالذي يصرح به أكثرهم فهو خطأ يقوم البرهان على خلافه.
وذلك أنه قد تبرهن في العلوم الطبيعية أنه لا سبب لتكون الحرارة إلا الحركة، أو ملاقاة الأجسام الحارة، والإضاءة. وتبين فيها أيضا أن الشمس بذاتها غير حارة ولا متكيفة بشيء من هذه الكيفيات المزاجية، وقد تبين فيها أيضا أن الأجسام التي تقبل الإضاءة أتم القبول هي الأجسام الصقيلة غير الشفافة، ويليها في قبول ذلك الأجسام الكثيفة غير الصقيلة. فأما الأجسام الشفافة التي لا شيء فيها من الكثافة فلا تقبل الضوء بوجه، وهذا وحده مما برهنه الشيخ أبو علي خاصة، ولم يذكره من تقدمه.
فإذا صحت هذه المقدمات فاللازم عنها أن الشمس لا تسخن الأرض كما تسخن الأجسام الحارة أجساما أخر تماسها؛ لأن الشمس في ذاتها غير حارة ولا الأرض أيضا تسخن بالحركة؛ لأنها ساكنة وعلى حالة واحدة في شروق الشمس عليها وفي وقت مغيبها عنها.
وأحوالها في التسخين والتبريد ظاهرة الاختلاف للحس في هذين الوقتين.
ولا الشمس أيضا تسخن الهواء، أولا، ثم تسخن بعد ذلك الأرض بتوسط سخونة الهواء. وكيف يكون ذلك ونحن نجد أن ما قرب من الهواء من الأرض في وقت الحر أسخن كثيرا من الهواء الذي يبعد منه علوا؟! فبقي أن تسخين الشمس للأرض إنما هو على سبيل الإضاءة لا غير؛ فإن الحرارة تتبع الضوء أبدا، حتى إن الضوء إذا أفرط في المرآة المقعرة أشعل ما حاذاها.
وقد ثبت في علوم التعاليم بالبراهين القطعية أن الشمس كروية الشكل وأن الأرض كذلك، وأن الشمس أعظم من الأرض كثيرا، وأن الذي يستضيء من الشمس أبدا هو أعظم من نصفها، وأن هذا النصف المضيء من الأرض في كل وقت أشد ما يكون الضوء في وسطه؛ لأنه أبعد المواضع من المظلمة ولأنه يقابل من الشمس أجزاء أكثر، وما قرب من المحيط كان أقل ضوءا حتى ينتهي إلى الظلمة عند محيط الدائرة الذي ما أضاء موقعه من الأرض قط.
وإنما يكون الموضع وسط دائرة الضياء إذا كانت الشمس على سمت رءوس الساكنين فيه، وحينئذ تكون الحرارة في ذلك الموضع أشد ما يكون فإن كان الموضع مما تبعد الشمس عن مسامتة رءوس أهله كان شديد البرودة جدا، وإن كان مما تدوم فيه المسامتة كان شديد الحرارة.
وقد ثبت في علم الهيئة أن بقاع الأرض التي على خط الاستواء لا تسامت الشمس رءوس أهلها سوى مرتين في العام، عند حلولها برأس الحمل وعند حلولها برأس الميزان.
وهي في سائر العام ستة أشهر جنوبا منهم وستة أشهر شمالا منهم، فليس عندهم حر مفرط ولا برد مفرط، وأحوالهم بسبب ذلك متشابهة.
وهذا القول يحتاج إلى بيان أكثر من هذا لا يليق بما نحن بسبيله، وإنما نبهناك عليه لأنه من الأمور التي تشهد بصحة ما ذكر من تجويز تولد الإنسان بتلك البقعة من غير أم ولا أب.
فمنهم من بت الحكم وجزم القضية بأن حي بن يقظان من جملة من تكون في تلك البقعة من غير أم ولا أب، ومنهم من أنكر ذلك وروى من أمره خبرا نقصه عليك، فقال:
إنه كان بإزاء تلك الجزيرة جزيرة عظيمة متسعة الأكناف كثيرة الفوائد عامرة بالناس، يملكها رجل منهم شديد الأنفة والغيرة، وكانت له أخت ذات جمال وحسن باهر، فعضلها ومنعها الأزواج؛ إذ لم يجد لها كفؤا. وكان له قريب يسمى يقظان فتزوجها سرا على وجه جائز في مذهبهم المشهور في زمنهم. ثم إنها حملت منه ووضعت طفلا، فلما خافت أن يفتضح أمرها وينكشف سرها وضعته في تابوت أحكمت زمه بعد أن أروته من الرضاع وخرجت به في أول الليل في جملة من خدمها وثقاتها إلى ساحل البحر وقلبها يحترق صبابة به وخوفا عليه، ثم إنها ودعته وقالت: «اللهم إنك خلقت هذا الطفل ولم يكن شيئا مذكورا، ورزقته في ظلمات الأحشاء وتكفلت به حتى تم واستوى، وأنا قد سلمته إلى لطفك ورجوت له فضلك خوفا من هذا الملك الغشوم الجبار العنيد، فكن له ولا تسلمه يا أرحم الراحمين.» ثم قذفت به في اليم.
فصادف ذلك جري الماء بقوة المد فاحتمله من ليلته إلى ساحل الجزيرة الأخرى المتقدم ذكرها، وكان المد يصل في ذلك الوقت إلى موضع لا يصل إليه بعد علم، فأدخله الماء بقوته إلى أجمة ملتفة الشجر عذبة التربة مستورة عن الرياح والمطر محجوبة عن الشمس تزاور عنها إذا طلعت وتميل إذا غربت.
ثم أخذ الماء في الجزر، وبقي التابوت في ذلك الموضع وعلت الرمال بهبوب الرياح وتراكمت بعد ذلك حتى سدت باب الأجمة على التابوت، وردمت مدخل الماء إلى تلك الأجمة. فكان المد لا ينتهي إليها. وكانت مسامير التابوت قد قلقت وألواحه قد اضطربت عند رمي الماء في تلك الأجمة.
فلما اشتد الجوع بذلك الطفل بكى واستغاث، وعالج الحركة، فوقع صوته في أذن ظبية فقد طلاها، خرج من كناسه فحمله العقاب. فلما سمعت الصوت ظنته ولدها، فتتبعت الصوت وهي تتخيل طلاها حتى وصلت إلى التابوت، ففحصت عنه بأظلافها وهو ينوء ويئن من داخله حتى طار عن التابوت لوح من أعلاه، فحنت الظبية وحنت عليه ورئمت به، وألقمته حلمتها وأروته لبنا سائغا، وما زالت تتعهده وتربيه وتدفع عنه الأذى.
هذا ما كان من ابتداء أمره عند من ينكر التولد. ونحن نصف هنا كيف تربى وكيف انتقل في أحواله حتى يبلغ المبلغ العظيم.
وأما الذين زعموا أنه تولد من الأرض، فإنهم قالوا إن بطنا من أرض تلك الجزيرة تخمرت فيه طينه على مر السنين والأعوام حتى امتزج فيها الحار بالبارد والرطب باليابس امتزاج تكافؤ وتعادل في القوى.
وكانت هذه الطينة المتخمرة كبيرة جدا، وكان بعضها يفضل بعضا في اعتدال المزاج والتهيؤ، وكان الوسط منها أعدل ما فيها وأتمه مشابهة بمزاج الإنسان، فتمخضت تلك الطينة وحدث فيها شبه نفاخات الغليان لشدة لزوجتها، وحدث في الوسط منها لزوجة ونفاخة صغيرة جدا منقسمة بقسمين بينهما حجاب رقيق، ممتلئة بجسم لطيف هوائي في غاية من الاعتدال اللائق به، فتعلق به عند ذلك الروح الذي هو من أمر الله تعالى وتشبث به تشبثا يعسر انفصاله عنه عند الحس وعند العقل، إذ قد تبين أن هذا الروح دائم الفيضان من عند الله — عز وجل — وأنه بمنزلة نور الشمس الذي هو دائم الفيضان على العالم.
فمن الأجسام ما لا يستضيء به وهو الهواء الشفاف جدا، ومنها ما يستضيء به بعض استضاءة وهي الأجسام الكثيفة غير الصقيلة، وهذه تختلف في قبول الضياء، وتختلف بحسب ذلك ألوانها. ومنها ما يستضاء به غاية الاستضاءة وهي الأجسام الصقيلة كالمرآة ونحوها، فإذا كانت هذه المرآة مقعرة على شكل مخصوص حدث فيها النار لإفراط الضياء.
وكذلك الروح الذي هو من أمر الله تعالى فياض أبدا على جميع الموجودات، فمنها ما لا يظهر أثره فيه لعدم الاستعداد، وهي الجمادات التي لا حياة لها وهذه بمنزلة الهواء في المثال المتقدم، ومنها ما يظهر أثره فيه وهي أنواع النبات بحسب استعداداتها، وهذه بمنزلة الأجسام الكثيفة في المثال المتقدم، ومنها ما يظهر أثره فيه ظهورا كثيرا، وهي أنواع الحيوان، وهي بمنزلة الصقيلة في المثال المتقدم.
ومن هذه الأجسام الصقيلة ما يزيد على شدة قبوله لضياء الشمس أنه يحكي صورة الشمس ومثالها.
وكذلك أيضا من الحيوان ما يزيد على شدة قبوله للروح أنه يحكي الروح ويتصور بصورته، وهو الإنسان خاصة، وإليه الإشارة بقوله ﷺ: «إن الله خلق آدم على صورته.»
فإن قويت فيه هذه الصورة حتى تتلاشى جميع الصور في حقها، وتبقى هي وحدها وتحرق سبحات نورها كل ما أدركته؛ كانت حينئذ بمنزلة المرآة المنعكسة على نفسها المحرقة لسواها، وهذا لا يكون إلا للأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين. وهذا كله مبين في مواضعه اللائقة به، فليرجع إلى تمام ما حكوه من وصف ذلك التخلق.
قالوا: فلما تعلق هذا الروح بتلك القرارة خضعت له جميع القوى وسجدت له، وسخرت بأمر الله تعالى في كمالها، فتكون بإزاء تلك القرارة نفاخة أخرى منقسمة إلى ثلاث قرارات بينهما حجب لطيفة ومسالك نافذة وامتلأت بمثل ذلك الهوائي الذي امتلأت منه القرارة الأولى إلا أنه ألطف منه.
وسكن في هذه البطون الثلاثة المنقسمة من واحدة طائفة من تلك القوى التي خضعت له وتوكلت بحراستها والقيام عليها وإنهاء ما يطرأ فيها من دقيق الأشياء وجليلها إلى الروح الأول المتعلق بالقرارة الأولى.
وتكون أيضا بإزاء هذه القرارة من الجهة المقابلة للقرارة الثانية، نفاخة ثالثة مملوءة جسما هوائيا إلا أنه أغلظ من الأولين. وسكن في هذه القرارة فريق من تلك القوى الخاضعة وتوكلت بحفظها والقيام عليها، فكانت هذه القرارة الأولى والثانية والثالثة أول ما تخلق من تلك الطينة المتخمرة على الترتيب الذي ذكرناه.
واحتاج بعضها إلى بعض، فالأولى منها حاجتها إلى الآخرين حاجة استخدام وتسخير.
والأخريان حاجتهما إلى الأولى حاجة المرءوس إلى الرئيس والمدبر إلى المدبر، وكلاهما لما يتخلق بعدهما من الأعضاء رئيس لا مرءوس.
وأحدهما، وهو الثاني، أتم رئاسة من الثالث، فالأول منهما لما تعلق به الروح واشتعلت حرارته تشكل بشكل النار الصنوبري. وتشكل أيضا الجسم الغليظ المحدق به على شكله وتكون لحما صلبا وصار عليه غلاف صفيق يحفظه، وسمي العضو كله قلبا واحتاج لما يتبع الحرارة من التحليل وإفناء الرطوبات إلى شيء يمده ويغذوه ويخلف ما تحلل منه على الدوام وإلا لم يطل بقاؤه. واحتاج أيضا إلى يحس بما يلائمه فيجتذبه وبما يخالفه فيدفعه، فتكفل له العضو الواحد بما فيه من القوى التي أصلها منه بحاجته الواحدة، وتكفل له العضو الآخر بحاجته الأخرى.
وكان المتكفل بالحس هو الدماغ، والمتكفل بالغذاء هو الكبد. واحتاج كل واحد من هذين إليه في أن يمدها بحرارته وبالقوى المخصوصة بهما التي أصلها منه فانتسجت بينهما لذلك كله مسالك وطرق، بعضها أوسع من بعض بحسب ما تدعو إليه الضرورة فكانت الشرايين والعروق.