Tap any word for a breakdown, translation and native audio.
كانت القرية جميلة. كانت مستقرة في واد صغير وسط تلال داونز، يلفها بإحكام وشاح زهري من الحدائق، ثم وشاح أخضر كبير من الحقول. ونمت في جنباتها، بغزارة، الزنابق والخزامى. وتكتل النحل حول الأعشاب العطرية مثل العناقيد، وكان له طنين كطنين مئات من عجلات الغزل.
ومع أن الأكواخ المتراصة على جانبي الشارع المرصوف بالأحجار كانت نموذجا مثاليا للطراز المعماري التيودوري، فقد كانت البيوت الكبيرة وسط الخضرة تعود في معظمها إلى حقبة زمنية أقدم. شذ عن هذه القاعدة قصر قديم مشيد على الطراز الإليزابيثي، اسمه «سباوت مانور»، بحسب ورق رسائل الآنسة أسبري المطبوع، لكنه عرف بين السكان المحليين باسمه الأصلي «سباوت». كان القصر محل إقامة الآنسة ديسيما أسبري، ملكة القرية، وهي عزباء طاعنة في السن، حسنة المخبر والمظهر، وتملك دخلا خاصا وفيرا.
لم تكن رعية الآنسة أسبري حسنة التربية طيبة المعشر وساحرة فحسب، بل حباها الله بروح محبة للخير، حتى لم يعد هناك فقر ولا بطالة في القرية. ولم تكن سيدات المجتمع بحاجة إلى الانشغال بمشاكل الخدم، فسارت عجلة الضيافة بانسيابية وسلاسة. ولو نشبت نزاعات عائلية ما ذاع نبؤها على الملأ، فكانت الحيوات الشخصية محوطة بستائر أسدلت عليها فسترتها. وهكذا كان طابع القرية الاجتماعي زكيا مثل رائحة إكليل الجبل، وندرت الفضائح ندرة الكبريت الأحمر.
امتازت القرية بموقع مثالي. فتتراءى للناظر من نافذة الطائرة، في ساعات النهار، كنموذج محاكاة، من الجص الأبيض والأسود، لقرية من العصر التيودوري، محاط بصندوق زجاجي. أما في الليل، فكانت القرية تبدو على ضوء المصابيح الخافتة مثل سفينة قديمة، هيكلها الخارجي مغطى بقشور البرنقيل ومقدمتها مزدانة بتمثال حيزومي، ترسو في ميناء منسي هادئ.
لم يكن يطرقها زائرون إلا فيما ندر. فلم يكن بها محطة سكة حديدية، ولا سكان مؤقتون، إلى جانب انخفاض معدل المواليد. حتى الموت نفسه كان لا يطرق أبوابها إلا قليلا؛ إذ كان السكان الأصليون يمتعضون من فكرة الموت في مثل هذا المكان البهيج.
لكن لم يكن ميل السكان المحليين لكل ما هو قديم، الذي ثبط عزم ملك الموت، قويا بما يكفي لمنع الزحف المنتصر للحافلة ذات المحرك! كانت الحافلة الخضراء الضخمة المترنحة تنزل ركابها خارج القرية مباشرة؛ إذ منعت من السير داخل شوارعها، ثم تعود أدراجها إلى الطريق المفضي إلى لندن.
في عصر أحد الأيام في مطلع فصل الصيف، جلبت الحافلة من مدينة لندن روائية جذابة أنيقة نحيفة، تكتب قصصا مثيرة في حلقات مسلسلة من أجل العيش، لكنها كانت تشكك في قيمتها من حين إلى آخر، عندما تستيقظ أفكارها النائمة في عقلها الباطن. كانت الروائية ترتدي حذاء فرنسيا ذا كعب عال، بدا كأنه انتزع نزعا من أرصفة المدينة، لكنها قدمت هذه التضحية من أجل زيارة صديقتها جوان بروك، التي كانت تعمل مرافقة لسيدة من سكان القرية.
استضيفت الروائية بدعوة من الليدي دارسي، ربة عمل جوان، في منزل «ذا كورت»، وهو مبنى ضخم مشيد على الطراز الجورجي لونه أصفر فاتح، تطوقه حديقة غناء، ويبعد مسافة ميل تقريبا عن القرية. وفي أثناء تناولهما الشاي، أحست المرأتان بتمزق أواصر الصداقة بينهما؛ إذ دار حديثهما حول أمور عامة فحسب.
راحت كل منهما تعاين الأخرى بنظارة النقد الحيادية. تأملت جوان شفتي صديقتها، اللتين أوحتا لها بأنها لثمت صندوق بريد عموديا مدهونا حديثا بحرارة، في حين ارتأت الروائية أن جوان شديدة الإهمال في هيئتها. لكن في طريق عودتهما إلى القرية، اندمجتا معا — دون أن تشعرا — في انسجام، بفعل جمال الحقول بعشبها المموج، الذي استوى على سوقه، وتشرب بشمس المغيب. كان وجه جوان المسفوع بالشمس دليلا على أنها لم ترتد قبعة أبدا، لكن الروائية أيضا خلعت قبعتها الشبكية الصغيرة المصنوعة من النسيج الحريري المحبوك، دون أن تحسب حسابا لتسريحة شعرها. وبينما كانت المرأتان تسيران الهوينى وتدخنان السجائر، دلفتا إلى النفق المظلل ﻟ «ممشى كواكرز»، الذي يبعد نصف ميل عن جادة أشجار الكستناء.
سألت الروائية: «أتحبين القرية؟»
التمعت عينا جوان الزرقاوان قائلة: «أعشقها. أعلم أنك تعتقدين أنني مدفونة هنا. لكن هذه الجثة الهامدة تأمل أن يمهلها بوق النهاية قليلا. ما كنت سعيدة بهذا القدر من قبل.»
قالت الروائية: «أدعو الرب أن يديم عليك هذه النعمة … ماذا عن الحياة الاجتماعية؟»
أجابت جوان: «حفلات التنس وحفلات الحدائق لاحقا. أكبر المنازل هنا هي «ذا هول»، و«تاورز»، و«ذا كورت». منزلنا هو الأخير. ويعيش عمدة القرية في «هول». أما «تاورز»، فيقيم فيه أغنياء القرية لكنهم مسافرون إلى الخارج طوال الوقت.»
سألت الروائية: «وهل هناك أي رجال؟»
أجابت جوان: «هناك اثنان. القسيس والميجور بلير. الميجور هو رجل بمعنى الكلمة ومرتبط عاطفيا بابنة عمدة القرية، فيفيان. فنحن الفتاتان الوحيدتان بالمكان.»
رفعت الروائية حاجبيها المعقوفين المصبوغين.
قالت: «دعيني أرتب ما قلته. هناك الفتاة فيفيان والرجل الفحل. وهكذا يتبقى أنت والقسيس. كيف يبدو؟»
أجابت جوان: «إنه مثير نوعا ما. رجل ضخم الجثة، أسود البشرة، ذو صوت جهوري مثل الناقوس. ليتك تسمعينه وهو يصدح ويصيح في قداس الأحد. ومع ذلك أراه نقيا وصادقا.»
سألت الروائية: «هل ستتزوجينه؟»
أجفلت جوان بعض الشيء؛ ولذا اضطرت إلى تذكير نفسها بصراحتها المعهودة في السابق، التي هي سمة الحياة المعاصرة.
أجابت: «هذا ممكن، إذا لم يرحل. لطالما أجبرت على الخضوع لرؤسائي في العمل، وأريد أن أكون صاحبة القرار على سبيل التغيير. بيرلي، ألا ترينني أرشد السكان إلى فوائد سلق البطاطا بقشرتها وأحثهم على تنظيم الأسرة؟»
علقت صديقتها: «تناسبك كل الأدوار يا بروك. بالمناسبة، كيف تبدو سيدتك ليدي دارسي؟»
ردت جوان: «امرأة ضخمة وغامضة، تهيم على وجهها بلا هدف ولا غاية. كل ما أفعله أنني أحاول دعمها بشكل أو بآخر. وأحصل في مقابل ذلك على راتب كبير لا يمكنني إنفاقه هنا. لكنه ذو فائدة لعائلتي. فهم يعيشون في ضنك للأسف.»
لم يصطبغ وجه الروائية بأي لون كي يكشف عما يعتلج في صدرها، لكنها أومأت برأسها تعاطفا مع الركود الاقتصادي السائد بينما تتفحص جوان من خلف عدستها المفردة. كانت الفتاة طويلة القامة وقوية البنية، ذات وجه يعبر عن شخصيتها، وعينين تشعان بنظرة ثقة. كانت ترتدي فستان تنس أبيض بلا أكمام، وأساور فضية حول ذراعيها البنيتين. ورغم زيادة وزنها، بدت ذات صفات أصيلة وجاذبية.
سألت جوان: «حسنا؟ ما حكمك؟»
أجابت صديقتها: «مذنبة! تبدين مثل موضة قديمة. لقد كثر لحمك. وصارت شفتاك مثيرتين. و… أشعر بالغيرة الشديدة منك يا عزيزتي.»
قالت جوان: «لا أريد مقايضة وظيفتي معك قطعا.» وضحكت بسعادة. ثم أضافت: «هذا المكان رائع حقا يا بيرلي. فجميع السكان ذوو حسب ونسب ودخل خاص. وكلهم طيبون. كما أنهم متزوجون يا عزيزتي.»
عقبت الروائية: «فهمتك. لا حب ولا بكاء! ما أجملها من صورة!» خرجت السيدتان من ظلام الجادة، فأبصرتا القرية بأكواخها العتيقة وحدائقها الزاخرة بالأزهار وقد اصطبغت جميعا بلون المغيب القرنفلي. وكلما تقدمتا خطوة واحدة، بدتا كأنهما تقلبان صفحة جديدة من حكاية خيالية، تختلط فيها حوافها المزخرفة بالسياج العشبي المقلم، وأعشاب الميرمية، وأشجار الخوخ الدمشقي، وخلايا النحل، بالإضافة إلى غطاء متنوع من زهور الفاوانيا والقرنفل والثالوث. كان الفتيان والفتيات المرفهون يقفزون في الشارع، فيما ازدادت القطط غرابة وهي تنتظر بشائر الظلام. فعن قريب ستبدأ حياتها الحقيقية.
أسلمت الروائية نفسها للأجواء الساحرة، لكنها لوت شفتيها في امتعاض عندما رأت دلائل بقاء النظام الإقطاعي؛ إذ أظهر جميع الأطفال احترامهم للطبقة «الراقية».
أطالت السيدتان البقاء على الخضرة، وفي تلك الأثناء أشارت جوان إلى منزل متين من الجبس الأصفر الفاتح مزين ببرج ساعة.