Tap any word for a breakdown, translation and native audio.
نستطيع القول إن المعرض الوطني يتحول في أي يوم من الأيام المخصصة لنسخ اللوحات إلى مكان تجمع لنوعيات متباينة من البشر، وهو في ذلك الأمر يفوق حتى غرفة القراءة بالمتحف البريطاني، بينما يتساوى تقريبا مع مجلس العموم. ويمثل مشهد المعرض في هذا اليوم مصدر اهتمام دائم للسيد جوزيف فيتلوورث، تماما مثلما تفعل اللوحات المنسوخة بواسطة الناسخين المحترفين، الذين يطلق عليهم بشكل فكاهي في المصطلحات الرسمية بين الرسامين؛ الطلاب. ونظرا إلى أن جوزيف فيتلوورث هو في الأصل رسام ذو نزعة إلى الأساليب القديمة للرسم أكثر من المستقبلية، فإن هذا كان سببا في فشله المهني. كما تبرز الحقيقة اللافتة للنظر في هذه الأيام؛ لأنه عندما يصل الأمر إلى أن يبيع الرسامون القدامى متوسطو المستوى لوحاتهم بأسعار مرتفعة، وأن تترك لوحات العباقرة المعاصرين راكدة في الاستوديوهات ولا تجد من يشتريها، إذن تصبح الفرصة الوحيدة المتاحة أمام الرسام كي يشتهر هي أن يبتعد قدر الإمكان عن تقليد الأساليب القديمة للرسامين العظماء، الذين يتزايد الطلب على شراء لوحاتهم.
ومن ثم فقد وافق فيتلوورث بحماس شديد على وظيفة براتب قليل للغاية في المعرض الوطني حيث يمكنه على الأقل أن يوجد وسط أشياء وأناس يعشقهم، ومنهم على وجه الدقة امرأة شابة جذابة للغاية، تأتي بصفة منتظمة إلى المعرض لنسخ اللوحات، وخاصة تلك التي تنتمي للمدرسة الفليمشية.
وفي صباح أحد أيام الخميس، سار السيد فيتلوورث ببطء عبر القاعات، وراح يتوقف بين الحين والآخر ليتابع أعمال الناسخين ويقيمها بكلمات حصيفة أو نقد بناء. وقد قام بجولة تفقد خلالها أغلب أجزاء المبنى وأوشك على إنهائها، لكنه ذكر نفسه بنسخة مثيرة للاهتمام تجري عملية نسخها في غرفة صغيرة منعزلة في طرف المعارض البريطانية؛ لذا توجه لمتابعتها هناك. وفي الممر المؤدي إلى الغرفة جلس رجل ينسخ بالألوان المائية إحدى اللوحات الصغيرة للرسام كونستابل، وكان عمله رديئا للغاية لدرجة جعلت فيتلوورث يشيح بناظريه للجهة المقابلة بتلقائية وهو يمر مسرعا إلى الغرفة في نهاية الممر. أثار العمل الجاري داخل الغرفة اهتمامه للغاية. فاللوحة الأصلية التي يجري نسخها هي بورتريه جيمس الثاني للسير جودفري نيلر، وقد أثارت النسخة المتميزة إعجابه لدرجة أنه توقف بجوار حامل اللوحة مشدوها بالمهارة الفنية التي تنم عنها اللوحة. بينما جلس الفنان الناسخ، الذي نقش اسمه على صندوق الألوان الخاص به، وهو جيلدفورد ددلي، وهو ينظر إلى لوحته المنسوخة واللوحة الأصلية ويخلط بترو عددا من الألوان على الباليت.
فقال فيتلوورث: «أرى أنك لم تبدأ العمل بعد.»
فنظر إليه الرسام محدقا عبر نظارته الضخمة السميكة، وهز رأسه الذي يعلوه شعر أحمر متشابك طويل للغاية.
ثم رد قائلا: «لا، إني أتفحصها أولا قبل البدء.»
فسأله فيتلوورث: «هل تظن أن نسختك تحتاج إلى أي عمل إضافي؟ إنها ممتازة كما هي، على الرغم من انخفاض طفيف في درجة اللون.»
فأجابه الفنان مستوضحا: «ليست أكثر انخفاضا من الأصل، أليس كذلك؟»
رد فيتلوورث: «بلى، ولكنها ستنخفض خلال عام أو نحوه، عندما تزداد قتامة المادة المستخدمة، وهي أكثر انخفاضا بكثير من اللوحة الأصلية حين رسمت في البداية.»
أمعن الرسام التفكير، ثم قال: «أميل إلى الاعتقاد بأنك على صواب، إذ كان علي جعل درجة اللون أعلى بدرجة أو اثنتين؛ لكن الوقت لم يفت بعد.» وأضاف بنشاط: «إن العمل لمدة يوم أو نحوه كفيل بمنحها درجة اللون المطلوبة.»
تشكك فيتلوورث في كلامه وندم على إبداء هذه الملاحظة؛ إذ إن رفع درجة اللون يعني عمليا إعادة تلوين كامل اللوحة مرة أخرى، وهو أمر ينطوي على مخاطرة في مثل هذه الحالة؛ لأن عملية النسخ قد اكتملت وبنجاح كبير. فأراد أن يقنعه بالعدول عن هذا العمل بلطف، لكن شروع الرسام في عملية التعديل أعفاه من محاولة حثه على التوقف أكثر من ذلك.
ثم قال فيتلوورث: «أرى أن زجاج الحماية ما زال موضوعا على اللوحة الأصلية. ألا تود أن نخلعه؟»
فأجابه الرسام: «أوه، لا، شكرا لك، لا يوجد انعكاس عليه من هنا.»
بدأ فيتلوورث قائلا: «إن الزجاج يخفض درجة اللون قليلا»، لكنه توقف فجأة عن الكلام، وظل فمه مفتوحا بعض الشيء، بينما توقفت يد الفنان، الذي كان قد شرع في العمل، في الهواء بلا حراك وهي تحمل سكين مزج الألوان. وارتسمت الدهشة على وجهيهما وهما يستمعان إلى صوت باغت آذانهما؛ ولم تكن الدهشة بلا سبب، إذ انبعث من مكان ما في حرم المبنى صوت لحن مبهج صادر من آلة الأوبوا الموسيقية. ظل فيتلوورث ثابتا كتمثال لبضع ثوان، مع فمه المفتوح وعينيه المحدقتين في عيني الرسام؛ لكنه تمالك نفسه فجأة، وخرج من الغرفة دون التفوه بكلمة. وبعد أن مر بالرجل الذي يرسم بالألوان المائية الجالس في الممر، والذي راح ينظر من فوق كتفه مبتسما، دخل إلى بهو المعرض ليجد الطلاب قد تركوا لوحاتهم وتدافعوا نحو الباب؛ فتبعهم ليجد نفسه وسط حشد، يتزايد لحظيا، من الناسخين الذين يتدافعون نحو مصدر الموسيقى وقد علت الابتسامة وجوههم جميعا.
وأخيرا وجد فيتلوورث عازف الموسيقى داخل الغرفة الفينيسية؛ حيث تجمع حوله حشد كبير وقد وقف في المنتصف بجوار لوحة باكوس وأدريان للرسام تيتيان. كان رجلا طويلا ونحيفا ذا مظهر شاذ غريب الأطوار، يرتدي قبعة مستدقة الطرف من اللباد وعباءة طويلة، ويبدو غير واع تماما بجمهوره. وفي اللحظة التي وصل فيها فيتلوورث كان يعزف مقطوعة «كرنفال فينسيا» بإلهام ومهارة مع تنويعات لحنية منمقة، بينما ثبت عينيه على اللوحة وهو يتأملها. فتحكم فيتلوورث في ملامحه بقدر ما استطاع وهو يخوض طريقه وسط الحشد حتى وصل إلى العازف وربت على كتفه برفق.
ثم قال له: «أنا آسف للغاية لمقاطعة عزفك الذي أقدره حقا، لكن أخشى أنه من غير المسموح أن تواصل العزف هنا.»
نظر العازف الغريب إلى الموظف بنظرة متجهمة بها بعض التأنيب، خافضا نغمة العزف؛ ثم بدأ فجأة في عزف مقطوعة أوكتاف ثم افتتح مجموعة تنويعات لحنية جديدة برشاقة مدهشة. فابتسم فيتلوورث ابتسامة حاول أن يجعلها رقيقة، وانتظر بصبر حتى انتهت المعزوفة الرائعة بمقطع منمق مذهل؛ ثم كرر اعتراضه المهذب. فأبعد العازف الغريب الآلة الموسيقية عن فمه، وانتظر حتى توقف التصفيق، ثم التفت بثبات نحو فيتلوورث.
وقال: «هل أفهم من موقفك هذا أنك تعترض على عزف الموسيقى في هذا المعرض؟»
فهز العازف الغريب رأسه برصانة؛ ثم قال: «إن هذه تبدو وجهة نظر خاطئة للغاية. إنك بالتأكيد لا تنكر الصلة الوطيدة بين الفنون الجميلة؟»
ابتسم فيتلوورث ابتسامة تهرب من الرد، فاستأنف العازف الغريب كلامه، وسط همهمات وضحكات تشجيع من الطلاب، وقال:
«أنت لن تنكر يا سيدي أن الفنون الجميلة المختلفة ما هي إلا أساليب متنوعة للإحساس العام بالجمال.»
لم يكن فيتلوورث ينكر أي شيء؛ لكنه اعترض فقط على عزف آلة الأوبوا داخل المكان.
واصل العازف الغريب كلامه في إصرار، ودون أن يتحرك من مكانه، قائلا: «ومن ثم، ستقر بأن كل نوع من أنواع الجمال يمكن تعزيزه بالعرض والتوضيح عبر نوع آخر من الجمال. ومن جهتي، فأنا أعتبر الموسيقى الملائمة والمحركة للأحاسيس أمرا ضروريا من أجل التقدير الواجب للجمال التصويري.» واختتم حديثه بهذه الكلمات، ثم التف مبتعدا وتحرك عبر المعرض متبوعا، مثل زمار هاملين، بجمع غفير من الحضور.
وجد فيتلوورث نفسه أمام معضلة؛ إذ لا توجد قاعدة صريحة تمنع عزف الآلات الموسيقية في المعرض، كما أن التصرف بحد ذاته لم يكن فيه ما يخالف القانون؛ علاوة على أن حجة العازف الغريب، رغم كونها خيالية وغير واقعية، قد سيقت بلباقة ومنطقية؛ مما شكل صعوبة في التعامل معها. فحافظ على ابتسامته وهو يحاول تقدير الموقف للوصول إلى قرار سليم، بينما توقف العازف الغريب أمام لوحة «صعود سانت أورسولا» للرسام كلود لورين، وعلى الفور بدأ في عزف حزين لمقطوعة «المغادرة إلى سوريا». كانت سخرية الموقف أكبر مما يمكن لفيتلوورث احتماله، ولم يستطع استجماع قدرته على الاعتراض مجددا إلا بعد أن شارفت المقطوعة على النهاية؛ وبينما تحرك العازف الغريب مبتعدا عن اللوحة، أبلغه فيتلوورث اعتراضه المهذب وحثه على التوقف. عاود العازف النظر إلى فيتلوورث بتأنيب مندهش، وراح يحثه مجددا على مراعاة الصلة الوثيقة بين الأنواع المختلفة للجمال، مستشهدا بعروض الآنسة مود آلن كمثال مألوف وشهير، وبينما أخذ فيتلوورث يقدح زناد فكره لإيجاد رد مناسب، توقف العازف أمام بورتريه إليسا بونابرت للرسام جاك لويس ديفيد، وحدق فيها بنظرة نارية، ثم انطلق يعزف مقطوعة «مرسيليا».
أحس فيتلوورث بأنه قد أصيب بهيستيريا مع تزايد هتافات الطلاب وجلجلة اللحن العدائي المثير عبر المبني. ولم يعد الاعتراض مجديا؛ إذ واجهه العازف بالعبوس والنظرات الغاضبة التي تطالب المعترض بالصمت. وراح الموظفون المذهولون يشاهدون الموقف عن بعد بنظرات منزعجة؛ بينما أخذت أعداد الجمهور في التزايد من لحظة لأخرى. وبعد تقدير مختصر للوحة «الأم السعيدة» للرسام فراجونارد (مع لحن «العذراء في المهد»)، انتقل للمعرض الهولندي، وتوقف أمام لوحة فان أوستاد، ليعزف مقطوعة «الكلب الصغير للرجل الهولندي»، التي أشعلت الأجواء في المكان ووضعت نهاية بشكل عارض للعزف. إذ عند هذه اللحظة، ومن حسن حظ فيتلوورث الذي شعر بارتياح كبير، جاءت سيدة عجوز منفعلة كانت تنسخ إحدى لوحات رمبرانت، وطالبت بالهدوء لأنها لا تستطيع العمل وسط هذا الضجيج المنفر. فانتهز فيتلوورث الفرصة ليوضح للعازف أن المعارض في الوقت الحاضر تمتلئ بالناسخين الذين يمثل لهم عزفه، رغم أنه قد يكون مبهجا في مناسبة ملائمة أخرى، مجرد إلهاء وإعاقة في اللحظة الحالية.
استدار العازف الغريب ورفع قبعته المستدقة؛ ثم انحنى للسيدة العجوز وقال: «هذا أمر مختلف تماما. إذا كان وجودي يمثل مصدر إزعاج، فلا يسعني إلا أن أنصرف متمنيا لك صباحا سعيدا جدا.»
وأتبع جملته بانحناءة أخرى، مع حركة أنيقة بقبعته، ثم استدار، وضبط قطعة الفم في آلته الموسيقية وابتعد بخفة نحو بهو المدخل، وهو يعزف مقطوعة «الفتاة التي تركتها ورائي».
مر وقت ليس بالقصير قبل أن تستقر المعارض مرة أخرى. بينما اجتمع الطلاب في مجموعات، وناقشوا بشغف أمر العازف الغريب الرائع، وأمطر فيتلوورث، وهو ينتقل من مجموعة إلى أخرى، بسيل من الأسئلة لا حصر له. وكان وقت الغداء قد اقترب عندما وجد نفسه مرة أخرى بجوار الغرفة المعزولة حيث يجري العمل على نسخ البورتريه، وقد لاحظ، أثناء مروره عبر الممر، أن رسام الألوان المائية قد غادر بالفعل. ثم وجد السيد ددلي يحدق بسخط من خلال نظارته الكبيرة في الصورة الموجودة على حامله، وأظهرت له نظرة واحدة عليها أن هناك سببا وجيها للاستياء.
«ما رأيك فيها؟» سأله الرسام وهو ينظر بعين الشك.