Tap any word for a breakdown, translation and native audio.
كان اليوم الأول من تلك الأيام المطيرة القليلة التي يجود بها شتاء الصحراء. وقد أسفر وجه السماء بعد أن جلل المطر أعواد الخزامى والشيح، وصفا الجو ورق النسيم البارد، وسطعت أشعة الشمس رفيقة دفيئة تغمر الرمال الصفراء الندية، وتلمع تحتها الجداول الدقيقة المتعرجة.
وكان وائل التغلبي — وائل بن ربيعة، فارس تغلب وسيدها — يسير في جانب الوادي المعشب الذي ضربت فيه خيامه، ويجول ببصره في التلال الجرداء المحيطة به، ليس عليها إلا أعواد من طرفاء الكالحة، وأشواك العوسج تبسم فيها الزهرات الزرقاء، متوارية كأنها تخجل من ثوبها المقدد، وكان في سيره يتجه إلى جدول يترقرق ماؤه من تلعة شجراء عالية، وينساب متلألئا إلى بطن الوادي حتى يغيب في روضة ملتفة الشجر، يتماوج حولها العشب الأخضر البارض مع ريح الشمال، وتتراقص أعوادها في رفق، وتتلامس كلما هبت عليها نفحة من النسيم الفاتر.
وتبسم البدوي للمنظر الفاتن ولكن ابتسامته كانت خافتة لم تنفرج لها العبسة العميقة التي كانت تعقد جبينه الواسع، وتنفس نفسا عميقا ملأ به صدره من الهواء الصافي، ومضى في سبيله نحو الروضة بخطي قصيرة ثابتة؛ سار كأن في قلبه ثقلا ينوء به، وكأن في صدره اضطرابا يصرفه عن أن يهتز لجمال ذلك اليوم البديع.
وسار في أثره عبد أسود يترقب حركته في خشوع، وينظر إليه بطرف عينيه في حذر، يتلفت نحوه كلما بدرت منه لفتة، كأنه يخشى أن تفوته إشارة من مولاه، أو تشرد عن سمعه همسة من همساته، وسار من ورائه كلب يتمسح بأذياله، وقد وضع ذيله بين فخذيه، يطرق برأسه يشم الأرض حينا، ثم يرفع عينيه نحو سيده مترددا ويعود إلى إطراقه يشم الأرض في مواطئ قدميه.
ولما اقترب السيد من الروضة وقف هنيهة، ثم نادى ولم ينظر إلى ورائه: «يا غصين!» فأسرع إليه العبد حتى وقف على خطوة منه وقال: «لبيك!»
فقال وائل: «جهز لي طعاما وشرابا، واتبعني إلى هناك!» وأشار بيده نحو قلب الروضة، ثم سار بغير أن ينظر نحو العبد، فحنى هذا رأسه وسار مسرعا نحو البيوت المنتشرة في أعلى الوادي، حول القبة الحمراء العالية المشرفة على الحي.
كان وائل يبدو لمن نظر إليه شابا يتألق على وجهه الأسمر رونق الشباب، وهو يسير مرفوع الرأس كأن قوامه النحيف عود رمح سمهري، وينظر بعينين لامعتين تبصان ببريق فيه قسوة، وقد انعقد ما بينهما في عبسة، كأن جبينه الواسع لم ينفرج يوما عن بسمة، وكان أنفه الدقيق الأقنى ينتهي إلى فم رقيق الشفتين، وشارب أسود الشعر مفتول الطرفين، تشذ منه شعيرات قائمة في وسطه قد تمازجت فيها خيوط بيضاء وأخرى سوداء، وكانت لحيته الخفيفة تدور حول وجهه، لا ترى العين أثرا من الشيب في شعرها الأسود الجعد.
وكانت عمامته البيضاء تنتهي من وراء بطرف مسبل يبلغ مجمع كتفيه، وتبرز من تحتها ذؤابتان من شعره الأسود تلمعان به بما عليهما من دهن وعطر.
وسار وائل بخطاه البطيئة نحو الروضة الخضراء، والكلب يسير من خلفه يتمسح في أذياله.
ولما بلغ السيد مدخل الروضة وقف هنيهة ينظر فيما حوله يفحص عما في الرمال من آثار، ثم أشار إلى الكلب بطرف سيفه المتدلي من حمائله وصاح به: «ههنا يا عساف؟» ففهم الكلب الإشارة وأقعى حيث أشار إليه سيده، وعوى عواء خفيفا.
ودخل الرجل الروضة، فجعل يمشي في مساربها ينظر ما بها من آثار، ويميل إلى كل زهرة يراها فيتأملها مليا، ثم يمضي عنها متباطئا، ويمد يده إلى الأغصان المتدلية عابثا بأوراقها حينا، ونازعا بعض أوراقها حينا. ثم أوغل في الروضة حتى بلغ مكانا قد ظللته أشجار ملتفة، فحمته من بلل المطر، وسقطت عليه الأوراق فكسته فراشا وثيرا. فمهد الورق بقوسه، ثم ألقى القوس إلى جانب، وألقى كنانته إلى جانب، ونشر شملة كانت عليه فجعلها فوق الأوراق الجافة، ومال فاضطجع عليها فوق ظهره، متكئا برأسه فوق كفه، وجعل يتأمل السماء من خلال الغصون المتدلية، ويتلقى شعاع الشمس المائل داخلا إليه من بين الجذوع والفروع.
اعتاد وائل كلما نزل القطر وغسل الغبار عن الأغصان وسالت به جداول الوادي أن يذهب إلى تلك الروضة ليتمتع بيوم في ظلالها. وكانت بهجة الحياة تتحرك فيه عند ذلك فيلتمس نداماه ويقضي معهم يومه يطاردون متع اللهو، ثم يعود بعد يومه، طروبا ممتلئ القلب بالبشر. ولكنه لما خرج في ذلك اليوم كان على غير عهده بنفسه. خرج إلى روضته وحيدا يحس في قلبه حزنا كامنا لا يتبين مبعثه، وخيل إليه أن العالم يفيض حوله بنبضات حزينة تطن في أذنيه، وأن السماء الصافية تخفي وراء أنوارها الشفافة أسرارا غامضة، وأن الصحراء التي تمتد تحت ناظريه إلى الأفق المستدير، ليست كما عهدها فضاء فسيحا يسرح فيه بصره مطمئنا، بل كانت تزدحم وتضطرب حتى تكاد لا تدع له فيها خلوة، وأن النسيم البليل الذي يملأ صدره منه يزيد نفسه القلقة ضراما واختلاجا.
خرج في ذلك اليوم وحده إلى روضته التي طالما شهدت مجالس أنسه وطربه، وكان يطمع لو استطاع أن يجد في جمالها الساذج ذلك السلام الذي عجز أن يجده في نوادي قومه أو في فناء منزله الفسيح، أو في الوادي الأعشب الذي ترعى به إبله. ولكنه عندما اضطجع في ظلال الروضة وجدها أعلى ضجة من المجامع المزدحمة المضطربة.
لقد كانت نوادي قومه منذ حين تضيق بنفسه وتملؤها ضجرا، وكان فناء منزله يبعث في قلبه وحشة وكآبة؛ ولكن تلك الروضة نفسها قد خيبت أمنيته فلم يجد فيها إلا وحشة وكآبة.
وتواردت عليه وهو مضطجع تحت ظلال الغصون المتدلية صور من حياته مرت في خياله سراعا، فتذكر حروبه ومواقعه عند أراط والكلاب، ثم موقعته الكبرى عند جبل خزازى، حيث تهاوى بفرسانه ليلا نحو النيران الموقدة على رءوس الجبال، وأحاطوا بأهل اليمن فحطموهم حتى لم تقم لهم بعد قائمة، فانتصف منهم لقومه ربيعة، وألقوا نير اليمن عن رقابهم وتبوءوا مقاعد السيادة في هضاب نجد. إنه هو الذي اجتمعت حوله الكلمة، فقاد عرب الشمال جميعا من ربيعة ومضر حتى انتهى بهم إلى النصر البارع، وطرد السادة من ملوك اليمن من تلك الربوع التي رتعوا بها من قبله أجيالا. ولكن قبائل ربيعة قد تغيرت عليه وجحدت فضله ونسيت بطولته، فأصبحت تتحدث في نواديها عن كبريائه وظلمه، وصار الشبان منهم يتحدونه وينكرون عليه ما سمحت به نفوس آبائهم طائعة عقب ذلك الانتصار. أينكر قومه سابق فضله وينازعونه في الحق الذي بايعوه من قبل عليه؟ أيحسبون السيف الذي قضى به على قبائل اليمن قد صدئ في غمده من طول ما مر عليه من السلام؟ أم هو العقوق الذي يدفعهم إلى هذه الهمسات الحانقة التي تبلغ أذنيه مهما بالغ الهامسون أن تكون فيما بينهم سرا؟ أم هو الحقد الذي يملأ صدور منافسيه، ويحملهم على تناسي فضله والتجهم له؟
وتنبه وائل من خواطره على صوت رفرفة بين الأغصان التي فوقه، فحرك رأسه فاترا وأحس بشيء من الارتياح إلى أن يخلص ولو حينا من شجونه المضطربة، فرأى بين الأوراق قبرة تنتقل بين الفروع في حذر كأنها تريد أن تهبط، وكان يلوح عليها أنها تخشى ذلك الدخيل المضطجع تحتها. فجعل يتأملها حينا ثم رأى اضطرابها فرق لها وقام من مكانه متسللا يحاذر أن يعنف في حركته حتى لا يفزعها، ونظر نحوها يرقب حركتها، فرآها تنظر إليه في ذعر واضطراب تهم أن تطير هاربة، فتقفز عن غصنها، ثم تتردد فتنزل على غصن آخر وتصرصر وتنقنق في خشوع كأنها تتوسل وتبدي الحنين.
وفيما هو في ذلك سمع صوت رفرفة ضعيفة عند قدميه.
وتلفت حوله إلى أطراف الأغصان المتدلية، فرأى عش القبرة وفيه فرخان صغيران لا يغطي جسميهما إلا الزغب الأخضر، وهما يتطلعان نحو أمهما ويحركان جناحيهما العاريين في لهفة إلى ظل جناحيها. فأسرع في خفة فرفع قوسه وكنانة سهامه، ثم وضع شملته على كتفه وتراجع في هدوء حتى خرج من ظل الخميلة. وهبطت القبرة تهوى مندفعة نحو فرخيها وتدرج إليهما في العش ترفرف عليهما بجناحيها وهي لا تزال تنظر في قلق إلى الخيال القائم من وراء الأغصان. فتبسم وائل ابتسامة حزينة، ثم سار إلى خميلة أخرى من الروضة يلتمس في ظلها مضجعا. وقال وهو سائر كأنه يحدث نفسه: «لقد تحرمت المسكينة في حماي.»
ولكنه ما كاد ينطق بهذه الكلمات حتى عاودته خواطره الأولى وكانت أشد حنقا؛ إذ تذكر ما يتحدث به قومه وما بلغوا من الجرأة عليه؛ فقد أطلقوا ألسنتهم فيه بما لم يكونوا من قبل يجرءون عليه. إنهم صاروا يتحدثون عنه أنه يحمي الوحش والطير مبالغة منه في الكبر والعتو، ويتحدثون عن مراعيه التي لا يستطيعون أن يلتمسوا فيها صيدا من ظبي أو أرنب أو ضب؛ لأنه قد حمى تلك المراعي وسدها في وجوههم. ويتحدثون عن الماء الذي لا يستطيعون أن يردوه إلا بعد أن تصدر عنه إبله، وعن كلأ الأرض الذي لا يقدرون على أن يطلقوا فيه إبلهم؛ لأنه قد حمى ذلك كله وحازه لنفسه لا يبيح لأحد فيه شيئا إلا بإذنه. لقد تحدث قومه بهذا كله، ووصفوه بالطغيان والكبر والبطر وكأنهم تناسوا أن ذلك كان من حقه عليهم؛ إذ قد ارتضوه وتطوعوا به له إقرارا بفضله عليهم واعترافا له بسلطانه فيهم.
وفيما كان يناجي نفسه بهذه الخواطر سمع كلبه ينبح، فوقف ينظر نحو مدخل الروضة ليرى من يكون ذلك الجريء الذي اقترب من حماه، وقال في نفسه: لعل هذه آية جديدة تطلعه على ما داخل قومه منذ حين من الجرأة عليه. لقد طالما جاء إلى هذه الروضة وأمر كلبه أن يقعي عند مدخلها، فما كان أحد يجرؤ على أن يقترب منها، فكان ذلك الكلب إذا جلس عند أسفل التلعة نظر إليه الناس من بعيد وتيامنوا عنه أو تياسروا حتى لا يستبيحوا حمى سيد ربيعة المخيف وائل بن ربيعة. بل لقد كانوا يجعلون اسم ذلك الكليب علما يذكرونه فيما بينهم إذا أرادوا التحدث عن بطلهم الباسل الذي ملأت هيبته القلوب، حتى لا يمر اسمه على ألسنتهم إكبارا له وتقديسا.
أوقد تجرأت ربيعة حتى لم يبق في نفوسها رهبة من الكليب؟
واتجه نحو مدخل الروضة هابطا على جانب الربوة مسرعا والغضب يملأ قلبه، لا ترى عيناه إلا حمرة الدماء، وقد عزم على أنه لن يصبر بعد ذلك، بل ليجعلن سطوته طاحنة حتى يصرف قومه عن تلك الهمسات التي يهمس بها الحاسدون فيما بينهم إذا خلا بعضهم إلى بعض. لقد جاءت إليه الأنباء يسعى بها صحبه الأوفياء وآله الأقربون؛ فهو لا يجهل ما تغلي به الصدور عليه، وإن كانت الخشية من بطشه لا تزال تخفي النيران تحت ستار واه من الرياء والبسمات الزائفة. وكان قلبه وهو يسير نحو مدخل الروضة يغلي حنقا ويحدثه صائحا أنه لا بد له أن يفتك وأن يسطو، حتى يعلم هؤلاء أنه ما زال السيد الذي طالما انعقدت ألسنتهم عن ذكر اسمه، وأنه ما زال البطل الذي لا يجرؤ أحد على أن يملأ منه عينيه.
ولما بلغ مدخل الروضة تلفت حوله فلم يجد أحدا. وأقبل الكلب نحوه يعوي متألما وهو يتلوى، حتى اقترب منه وجعل يتمسح به ويبصبص بذنبه، ثم ذهب عنه ينبح في حنق متجها إلى جانب الربوة. فسار وائل في أثره حتى بلغ قمة الربوة فأشرف على الوادي المجاور، فإذا هو يسيل بأعناق الإبل الحمراء ومن ورائها فارس يعرفه، هو جساس بن عمه مرة، جساس أخو امرأته جليلة بنت مرة سيد بني بكر. هو أخو تلك الزوجة الحبيبة التي اصطفاها ونعم بالحياة في بيتها الهادئ. وكان جساس يسير وراء إبله مثل الرمح الرديني بأنف أشم، تدل هيئته على أنه لا يرى في قبائل ربيعة من يليق أن يكون عليه سيدا.
وتمنى وائل لو لم يكن جساس أخا لزوجته، أو لم يكن ابن عمه الشيخ مرة بن ذهل بن شيبان؛ فإنه لو لم يكن في حمى تلك القرابة لعرف كيف يكسر ذلك الأنف الأشم، وكيف يحني تلك الهامة المرفوعة، وكيف يجعله يغضي تلك العين الجريئة التي يحملق بها في وجهه إذا كلمه؛ فهو لا يقدر على أن يمنعه من الرعي في مراعيه، ولا يقدر على أن يجعل إبله تنتظر حتى تصدر إبله هو عن الماء لأنه ابن الشيخ مرة وأخو زوجته الحبيبة جليلة.
واشتعل قلب وائل غيظا إذ رأى ذلك الفتى يسوق إبله في مراعيه التي حماها، ثم يجتاز بالروضة التي لم يجرؤ أحد من قبل أن يمر بها، ويبطش بالكلب الذي كانت ربيعة كلها تتحامى الاقتراب من موضعه.
وكان جساس لا يخفي جرأته وتحديه؛ فقد طالما جهر في نوادي بكر بكراهية كليب، وطالما جرأ الشبان من قومه على أن يتكلموا فيه ويسخروا منه في غيبته. كان جساس يحرض عليه ويثير النفوس، ويوشك أن يوقد بين الناس فتنة عمياء. بل لعله هو الذي فتح عقول القوم إلى التذمر مما كانوا من قبل لا يرونه إلا حقا وعدلا، ووقف وائل ينظر إلى ذلك الشاب المتحدي وثارت في قلبه الحفيظة، وعزم على أن يتنبه وأن يضرب وإلا كانت عاقبة أمره وبالا.
ونزل عن الربوة ولم يعد إلى روضته التي كان قد أزمع أن يقضي فيها اليوم وحده يلتمس نزهة تهدئ من قلبه الثائر، بل عاد إلى بيته يسرع الخطى وقلبه يفور، وأنفاسه تضطرب، وقد تمثلت أمام عينيه مناظر الصراع المقبل الذي يوشك أن يقع بينه وبين ذلك الفارس الجريء.
ولما بلغ مضرب خيامه المشرفة على الوادي لم يلتفت إلى من كانوا في فنائه الفسيح من عبيد وأتباع، بل سار مسرعا والكلب يجري وراءه لاهثا.
ولما بلغ خيمته دخل إليها، ثم نادى في شيء من العنف: «جليلة»، فنهضت امرأته مسرعة وأقبلت نحوه تبتسم، ولكن نظراتها إليه كانت تنم عن دهشة؛ فقد كانت تعد له زق الخمر، وتهيئ له شواء من الكبد والسنام لكي ترسله إليه مع العبد «الغصين» في الروضة كما أمره منذ حين قصير. وأحس قلبها أن في رجوعه إليها بعد ذلك الحين القصير دليلا على أمر خطير أزعجه لم يكن في حسبانه. ونظرت إلى وجهه فأدركت أنه قد عاد إليها غاضبا ثائرا، فقد كانت عيناه محمرتين تقدحان شررا، وخيل إليها أن الشعرات القائمة في وسط شاربه تهتز في قلق. وأرادت أن تزيل ما عنده من الشجن الثائر حتى لا تبدر منه بادرة قاسية؛ فإنه كان إذا ثار لم يملك بوادره الدموية. كان لا يعبأ أن يبقر بطن فرس عزيز، أو يطيح بسيفه رأس بعض عبيده المساكين الأبرياء. حتى إذا ما سكن غضبه وعاد إلى نفسه استولى عليه الحزن وكاد يبخع نفسه أسفا. ولم يكن أكبر ما يحملها على أن تذهب ما في نفسه أنها كانت تحرص على فرس أو تشفق على عبد مسكين، بل كان الذي يعنيها هو هذا الهم الذي رأت عليه بوادره منذ حين؛ فقد أحست تغيرا عظيما اعتراه في تلك الأيام الأخيرة، وكان قلبها يعصر عصرا قاسيا كلما رأته يقضي اليوم والليل كاسفا متململا لا يكاد يذوق نوما ولا راحة، وتقدمت نحوه ووضعت يديها على كتفه في وداعة وقالت في صوتها الرخيم: مرحبا بك. لقد كنت أعد لك طعامك.
فنظر وائل إلى وجهها نظرة سريعة، ثم بدت على وجهه ابتسامة ضئيلة، ولكنه حول نظراته عنها وأمسك بيديها برفق فأزاحهما عن كتفيه، ونزع قوسه فقذف بها في حنق إلى ركن من الخيمة، ثم قذف بكنانة سهامه على الأرض في عنف حتى قعقعت، وذهب إلى نطع من الجلد في صدر الخيمة فجلس عليه واحتبى بسيفه ونظر إلى الخارج وهو ساهم صامت. فقربت جليلة منه وجلست إلى جانبه، وجعلت تعبث بيدها حينا في شملته، ثم قالت بصوت خافت: أراك مهموما.