Tap any word for a breakdown, translation and native audio.
حين أحضرت إلي البطاقة، نظرت فيها بقدر من الريبة؛ إذ استشعرت وجود صفقة تجارية، وعلى الرغم من أن مثل هذه القضايا تكون مربحة بالقدر الكافي، فإني، يوجين فالمونت، صاحب المنصب المرموق في الحكومة الفرنسية فيما سبق، لا أهتم بأن تكون لي علاقة بها؛ فمثل هذه القضايا تتعلق عادة بشئون تجارية دنيئة، ولا تجذب كثيرا اهتمام رجل تعامل، في وقت ما، مع قضايا دبلوماسية غامضة اعتمد عليها رخاء بعض الدول.
إن اسم بنثام جيبز مألوف لدى الجميع؛ لارتباطه بالمخللات التي يعلن عنها كثيرا، ونشاهد إعلاناتها باللونين القرمزي والأخضر الزاهيين في جميع أنحاء بريطانيا العظمى، وتصدم الحس الفني كلما رأيناها. أما أنا فلم أذقها قط، ولن أفعل أبدا ما دام ثمة مطعم فرنسي مفتوح في لندن؛ لكني لا أشك في أنها صادمة لحاسة التذوق بقدر إزعاج إعلانها للعين. وإن حدث وتوقع مصنع هذا المخلل الرديء مني اقتفاء أثر الذين يحاولون الاعتداء على وصفاته لصنع ما يطلق عليه التتبيلات والصلصات وما شابه؛ فإنه يكون مخطئا؛ إذ إنني أصبحت الآن في موقع يتيح لي اختيار ما أعمل عليه من قضايا وانتقاءها، ولم يكن من شأن قضية عن المخللات أن تستهويني. كان نص الإعلان: «احذروا التقليد؛ فليس حقيقيا دون التوقيع الأصلي لبنثام جيبز.» حسنا، ليست المخللات من شأني، ولا اقتفاء أثر المقلدين. تزوير شيك! أجل، إن أردت، لكن لم يكن تزوير توقيع السيد جيبز على زجاجة المخلل ضمن اختصاصاتي. ومع ذلك قلت لأرماند: «أدخل السيد.» ففعل هذا.
ولدهشتي دخل شاب أنيق يرتدي معطفا داكنا مشقوق الذيل، وصدرية لا عيب فيها، وسروالا يظهر عليه أنه من تفصيل أحد الخياطين في شارع بوند. وحين تحدث كان صوته ولغته ينمان عن رجل مهذب.
تساءل قائلا: «السيد فالمونت؟»
رددت عليه وأنا أنحني وألوح بيدي، بينما وضع له أرماند مقعدا وانصرف: «في خدمتك.»
بدأ السيد جيبز حديثه قائلا: «أنا محام، لدي مكتب في مبنى تمبل، وتزعجني منذ بضعة أيام مسألة؛ جئت إليك الآن طالبا نصحك فيها؛ إذ اقترح صديق أثق به اسمك علي.»
رد السيد جيبز: «لا أعتقد هذا؛ فهو أيضا محام له مكتب في المبنى ذاته الذي يوجد فيه مكتبي، اسمه ليونيل داكر.»
«على الأرجح لا، ومع ذلك، فقد أوصى لي بك بوصفك رجلا يمكن الاستعانة بمشورته، وإن قبلت هذه القضية فأنا أرغب في التزام أقصى قدر من السرية، أيا كانت النتيجة.»
انحنيت، لكني لم أبد أي اعتراض؛ فالسرية أمر مفروغ منه بالنسبة لي.
سكت الرجل الإنجليزي لبضع لحظات، كما لو أنه توقع الحصول على تعهدات حماسية، ثم واصل حديثه دون أن يبدو على وجهه أي أثر للإحباط عندما لم يحصل عليها.
في ليلة الثالث والعشرين، أقمت عشاء صغيرا لستة من أصدقائي في مكتبي. أستطيع القول إنهم جميعا على حد علمي رجال محترمون، شخصياتهم ليست موضع شك. في ليلة هذا العشاء تأخرت عما كان متوقعا في حفل استقبال، وعند عودتي بسيارتي إلى مبنى تمبل تأخرت أكثر بسبب تعثر في حركة السير في شارع بيكاديلي؛ لذا حين عودتي إلى مكتبي كان لدي وقت بالكاد لارتداء ملابسي واستقبال ضيوفي. كان مساعدي جونسون قد أعد كل شيء من أجلي في غرفة الملابس، وبينما هرعت إليها خلعت المعطف الذي كنت أرتديه وتركته معلقا على ظهر أحد المقاعد في غرفة الطعام؛ حيث لم ألاحظه لا أنا ولا جونسون حتى انتبهت إليه بعد انتهاء العشاء، بينما كان الجميع يشربون النبيذ في سعادة.
يحتوي هذا المعطف على جيب داخلي، وفي العادة أي معطف مشقوق الذيل أرتديه في حفلات الاستقبال المسائية لا يحتوي على جيب داخلي، لكني كنت في عجلة من أمري طوال اليوم.
إن والدي صاحب مصنع ربما يكون اسمه مألوفا لديك، وأنا أحد أعضاء مجلس إدارة شركته. وفي هذه المناسبة أخذت سيارة أجرة من المدينة إلى حفل الاستقبال الذي تحدثت عنه، ولم يتسن لي الوقت لأغير ملابسي في مكتبي. كان حفل الاستقبال بوهيميا بعض الشيء؛ لذا كان ممتعا للغاية بالطبع، ولكنه لم يكن يتطلب ارتداء ملابس محددة؛ لذا ذهبت بما أرتديه. داخل هذا الجيب الداخلي توجد حزمة رفيعة، تتكون من قطعتين من الورق المقوى بينهما خمسة صكوك ورقية كل منها بقيمة عشرين جنيها صادرة عن بنك إنجلترا، مطويات طوليا، ومثبتة في مكانها برباط مطاطي مرن. وقد ألقيت المعطف على ظهر المقعد بحيث أصبح جيبه الداخلي واضحا، وأطراف الصكوك ظاهرة بوضوح.
وعند تناولنا القهوة والسجائر أشار أحد ضيوفي وهو يضحك إلى ما أطلق عليه استعراضا مبتذلا للثراء؛ فالتقطه جونسون ببعض الاضطراب لإهماله وضع المعطف في مكانه، وأخذه إلى غرفة الاستقبال حيث وضعت معاطف ضيوفي دون ترتيب. بالطبع كان يفترض، أن يعلقه في خزانة ملابسي، لكنه قال فيما بعد إنه ظن أنه يخص الضيف الذي تحدث؛ فقد كان جونسون في غرفة ملابسي حين ألقيت المعطف على المقعد في الزاوية وأنا في طريقي إلى الغرفة، وأفترض أنه لم يلاحظه في خضم توافد الضيوف، وإلا لكان وضعه حيث ينتمي. بعد انصراف الجميع جاء إلي جونسون وقال إن المعطف هناك، لكن الحزمة فقدت، ولم يعثر على أي أثر لها منذ هذه الليلة.»
«على ما أظن أحضرت العشاء من مكان خارجي، أليس كذلك.»
«اثنان، وهذان الرجلان يعملان دوما عندي في المناسبات المشابهة، لكن بعيدا عن هذا، فقد تركا المكان قبل وقوع حادثة المعطف.»
«أعتقد أن أحدا منهما لم يذهب إلى غرفة الاستقبال، أليس كذلك؟»
«بلى، فأنا متأكد من عدم وجود أي شكوك بشأن أي من النادلين.»
«وماذا عن مساعدك جونسون؟»
«إنه يعمل معي منذ سنوات، وكان بإمكانه أن يسرق بسهولة أكثر بكثير من مجرد مائة جنيه إن أراد فعل هذا، لكني لم أعرف عنه قط أنه أخذ بنسا واحدا ليس من حقه.»
«أيمكنك أن تخبرني بأسماء ضيوفك يا سيد جيبز؟»
«جلس على يميني فيكونت ستيرن، وعلى يساري اللورد تمبلمير، وبجواره السير جون سانكلير، وبجوار سانكلير أنجوس ماكيلر، وبجوار فيكونت ستيرن جلس ليونيل داكر، وعلى يمينه فنسنت إينيس.»
كتبت أسماء الضيوف على ورقة وأشرت إلى أماكنهم على الطاولة.
«أي ضيف لفت انتباهك للمال؟»
«هل ثمة نافذة تطل على الخارج في غرفة الاستقبال؟»