Tap any word for a breakdown, translation and native audio.
استولى على مصر بعد الخلفاء الفاطميين كثير من السلاطين، ظلت تحكم باسمهم إلى أن آل أمرها إلى المماليك، فاستبدوا في أحكامهم، وضج أهلها بالشكوى منهم. واستمر الحال على هذا المنوال حتى غزاها الخليفة التركي السلطان سليم، في عهد سلطانها الغوري، فتم له فتحها ودخلها بعد قتله في وقعة مرج دابق، حيث شنق خليفته طومان باي، فصارت مصر منذ ذلك الحين تابعة لتركيا.
ونظرا إلى بعدها من دار الخلافة، رأى السلطان سليم أن يجعل في إدارتها انقساما يأمن معه خروجها من طاعته، فجعل حكومتها مؤلفة من ثلاث سلطات: أولا: سلطة الباشا: وهو الوالي الذي يرسله من الآستانة، ومقره في قلعة القاهرة، ويختص بتلقي أوامر السلطنة وتبليغها ومراقبة تنفيذها.ثانيا: سلطة البكوات: وهم بقية الحكام المماليك، وقد عهد إليهم في إدارة المديريات وحفظ الأمن والنظام في البلاد، كما هو شأن المديرين الآن.ثالثا: سلطة الوجاقات: وهي القوة العسكرية. وكانت مؤلفة من الإنكشارية، والمتفرقة، والدلاتية (جند المغاربة)، وغيرهم. وعليها جباية الضرائب والإعانات والغرامات وما إليها من الأموال التي تؤخذ لخزانة الدولة، كما أن عليها الدفاع عن البلاد عند الحاجة إلى ذلك.
على أن البكوات المماليك لم يقنعوا بالسلطة الكبيرة التي منحت لهم، فما لبثوا قليلا حتى عادوا إلى الاستبداد.
وكان من بينهم «شيخ البلد» المنوط به حكم القاهرة والسهر على استتباب الأمن والنظام فيها كما هو شأن محافظها الآن. غير أنه لم يكن يقنع بما دون السلطة المطلقة، ولم يكن للباشا التركي بجانبه من السلطة إلا مظاهر جوفاء، لا أثر لها على الإطلاق.
فلما كانت سنة ١٧٦٣، وآلت مشيخة البلد إلى علي بك الكبير، كان أكثر المماليك شهامة وأعظمهم همة وأشدهم بطشا. ولكنه طمع في الاستقلال بمصر، وحدثته نفسه بافتتاح البلاد المجاورة لها أيضا.
ولم تكن القاهرة في تلك الأيام على ما هي عليه الآن من اتساع العمران وكثرة السكان. فالأحياء المعمورة فيها حينذاك لم تكن تزيد على أحياء: الحمزاوي والغورية والجمالية والنحاسين وما جاورها. أما الفجالة وشبرا والعباسية والإسماعيلية والجزيرة وغيرها من الأحياء الحديثة فلم تكن قد أنشئت بعد.
وكان للمدينة سور منيع به أبواب عدة ضخمة تغلق عقب غروب الشمس كل يوم، فلا يستطيع أحد بعد ذلك أن يدخل المدينة أو يخرج منها إلا بإذن خاص، وما زالت بعض هذه الأبواب وآثار السور باقية حتى اليوم.
أما أغنى هذه الأحياء كلها وأكثرها سكانا وروادا، فكانت هي الأحياء الواقعة في منطقة الجمالية وما جاورها من الغورية وخان الخليلي؛ حيث تقوم مختلف المتاجر وقصور الأغنياء.
وهناك في الجمالية كانت توجد وكالة الصابون، وهي يومئذ مجتمع كبار التجار وأصحاب الثروة، فلا تخلو ساحتها الرحيبة من مئات منهم طول النهار، بين بائعين ومشترين ومتفرجين.
وكان من بين تجار تلك الوكالة، في العهد الذي جرت فيه وقائع روايتنا هذه، تاجر يقال له «السيد عبد الرحمن». اشتهر رغم ضخامة ثروته واتساع تجارته بالتواضع الجم والاستقامة والبر بالفقراء، مع رجاحة العقل والاتزان. وقد تعود أن يقضي نهاره في الوكالة يشرف على حركة البيع والشراء في متجره الكبير، فإذا جاء المساء عاد إلى منزله في شارع الكعكيين في الغورية، حيث زوجته وولده الوحيد منها، وبعض السراري الشركسيات والحبشيات.
ولولا ما كان يقاسيه هو وغيره من استبداد المماليك وجورهم، وكثرة الضرائب التي يطلبونها من وقت لآخر لكان له من ثروته الضخمة وتجارته الرابحة وحياته المنزلية الهادئة ما يجعله أسعد السعداء، ولاسيما أن ولده الوحيد السالف الذكر، واسمه حسن، كان قد أتم تعليمه في الجامع الأزهر، ثم التحق بالبيمارستان المنصوري القائم في شارع النحاسين أمام الطريق المؤدي إلى بيت القاضي؛ حيث أبدى تفوقا في دراسة الطب على يد أستاذ مغربي فيه، واشتهر بين زملائه وعارفيه بالاستقامة والذكاء والاتزان كأبيه. فلم يكن يغشى مكانا غير البيت والمدرسة، ولا يمل المطالعة للاستزادة من المعارف والعلوم.
أمضى السيد عبد الرحمن نهاره حتى العصر مشرفا على العمل في متجره بوكالة الصابون كعادته. وكان ذلك في يوم من أيام سنة ١٧٧٠. فلما سمع أذان العصر، أشار إلى خادمه فجاء بسجادة فرشها على دكة في ركن من المتجر ليصلي عليها العصر بعد أن توضأ لهذا الغرض.
ولم يكد السيد عبد الرحمن يبلغ الدكة وهو يتمتم ببعض الأدعية ويحمد الله على ما أولاه إياه من النعم والخيرات، حتى لحق به أحد الكتبة في المتجر، وأنبأه بأن بعض موظفي الحكومة جاءوا يطلبون مقابلته. فاستعاذ بالله من ذلك، لعلمه بأن هؤلاء الموظفين لا يأتون إلا لطلب ضريبة أو إعانة أو توقيع عقوبة مالية بغير ذنب ولا جريرة.
وحدثته نفسه بأن يرجئ مقابلتهم حتى يصلي، لكنه خشي أن يهيج ذلك غضبهم وانتقامهم، فرفع طرفه إلى السماء وتنهد، ثم عاد أدراجه إلى مجلسه المعتاد في المتجر ليستقبلهم هناك ويرى ما وراء هذه الزيارة.
وكان هؤلاء الموظفون ثلاثة: أحدهم الجابي، وهو في زي المماليك المؤلف من السراويل الفضفاضة الطويلة المشدودة فوق الكعبين، والعمامة فوق القاووق، وحول وسطه منطقة عريضة علق بها خنجر من الأمام، وعلى منكبيه جبة تدلى على جانبها الأيمن سيف معقوف، وقد تغضن وجهه وشاب شعر رأسه. والثاني جندي يحمل في يده دفترا كبير الحجم كتبت فيه أسماء التجار وغيرهم من الملاك والعمال، وبيانات عن الضرائب المطلوبة من كل منهم. أما الثالث فهو الكاتب، وعلى رأسه عمامة كبيرة، وفي منطقته دواة مستطيلة من النحاس.
فلما دخل عليهم السيد عبد الرحمن، بالغ في تحيتهم والترحيب بهم. وأسرع في مشيته للقائهم متكلفا البشاشة والابتسام، ثم أمر لهم بالقهوة والغليون — أداة تدخين التبغ في ذلك العهد — ثم جلس بين أيديهم يكرر التحية والملاطفة اجتذابا لرضاهم عنه. وقلبه يخفق بين جوانحه مخافة أن يكون مجيئهم لأمر من ورائه خسارة له.
وضاعف من خشيته وريبته أن الجابي، لم يزده ذلك كله إلا غلظة وغطرسة، وبقي صامتا يرمقه شزرا في ازدراء ملحوظ، وقد جلس جلسة الكبرياء واضعا إحدى ساقيه فوق الأخرى. فلما جاء الخادم بالقهوة وبدأ بتقديمها له متأدبا. أشاح عنه بوجهه، والتفت إلى السيد عبد الرحمن. وقال له غاضبا: «إننا لم نأت لنشرب قهوتك، ولا حاجة لنا بها. وإنما جئنا نطلب حقوق الدولة!»
فأجفل السيد عبد الرحمن، وتحقق وقوع ما كان يحذره، لكنه كظم ما به متجلدا وقال متظاهرا بالبشاشة: «أهلا وسهلا ومرحبا بالسادة الأجلاء، مروا بما شئتم، فما نحن إلا عبيد مولانا علي بك ورهن أمره في كل وقت!»
فقال الجابي: «مطلوب منك أن تدفع ألف نصف، مساعدة للحملة الذاهبة لنجدة شريف مكة بعد أيام.»
فاستكثر عبد الرحمن هذا القدر المطلوب من ماله، رغم دفعه ضرائب باهظة منذ عهد قريب، لكنه لم يجرؤ على إظهار ذلك، واكتفى بأن قال: «هل هذا المال مطلوب دفعه فورا؟»
فنهض الجابي مغضبا حانقا وصاح به قائلا: «ما شاء الله! ومتى تظن أن تدفعه إذن؟ أتريد أن يكون ذلك بعد عودة الحملة أو هلاكها؟ أم لعلك استكثرت أن تدفع ألف نصف من الآلاف المؤلفة التي تحصل عليها عفوا بلا تعب من أموال الناس وأنت جالس على وسادتك في أمان واطمئنان، بينما نحن نتجشم الأخطار والأسفار لحماية بلادكم والدفاع عنها؟ كلا يا سيدي ثم كلا. يجب أن تدفع ألفين اثنين لا ألفا فقط. فهل فهمت؟!»
فندم عبد الرحمن على تعجله بإلقاء ذلك السؤال، ووقف وقد امتقع لونه وارتجفت أطرافه، وخشي أن يضاعف الجابي قيمة الضريبة المطلوبة مرة ثانية، فمد يديه نحوه إشارة التوسل والخضوع وقال: «العفو يا سيدي الجاويش، إني ليسرني أن أقوم بالواجب علي وزيادة، وإنما أردت بالاستفهام أن أعرف هل هناك فرصة لتأجيل الدفع أم لا، فالحالة التجارية كما تعلمون ليست في هذه الأيام على ما يرام، وسبق أن تفضل جناب الخازندار بمثل هذا التأجيل مراعاة لظروف مماثلة.»
فازداد غضب الجابي، وانتهر السيد عبد الرحمن بشدة، وقال: «أتشكو الفقر وأنت قد ابتلعت أموال الناس، وعشت من الأرباح الطائلة في رغد ونعيم، بينما نحن في شقاء دائم وتعب لا يطاق، ونلقي بأنفسنا إلى الهلاك دفاعا عنكم وعملا على راحتكم وطمأنينتكم؟ أم نسيت أن تظلمك للخازندار يعني أننا ظلمناك ولم نعدل في تقدير المال المطلوب منك؟!»
فأخذ السيد عبد الرحمن يستعطف الجابي ويحاول استرضاءه واتقاء غضبه بكل وسيلة. ثم نادى كاتب المتجر وأمره بأن يعد ألفي نصف ويحضرها فورا، فحنى الكاتب رأسه سمعا وطاعة ومضى لتنفيذ ما أمر به. ثم عاد بالمبلغ المطلوب بعد قليل فسلمه للسيد عبد الرحمن، وقدمه هذا للجابي فتناوله منه متظاهرا بعدم المبالاة، وسأله: «كم نصفا دفعت؟»
قال: «دفعت الألفين اللذين طلبتموهما.»
فقذف الجابي بالكيس الذي به النقود إلى الأرض، ثم نهض مغاضبا، وصاح بالسيد عبد الرحمن محتدا يقول: «لقد أبطرتكم النعمة. أإلى هذا الحد بلغ جهلكم وغروركم وقلة إنسانيتكم؟ أم حسبت أننا عبيد لك أو خدم عندك؟»
فارتعدت فرائصه، وازداد امتقاع وجهه، وابتلع ريقه بصعوبة لجفاف حلقه، ثم دنا من الجابي وقال في خشوع: «العفو يا سيدي … لقد أطعت أمركم. ولي الشرف بهذه الطاعة الواجبة. فماذا أغضبكم؟»
فقال الجابي: «هل عميت عن حق الطريق؟»
ففطن التاجر إلى أنه لم يدفع للجابي بعض المال لنفسه فوق الضريبة كما هي العادة. وكان الخوف قد أنساه ذلك، فبادر بالاعتذار والاستغفار، مؤكدا أنه لا يمكن أن يغفل أداء مثل هذا الواجب المقدس، وإنما وقع ذلك سهوا منه ومن كاتبه. فقال الجابي: «حقا إنكم جهلة متأخرون، لا تحترمون موظفي حكومتكم وتتجاهلون حقوقهم. وكان يجب أن تدفع حق الطريق قبل دفع الإعانة نفسها.»